من الأشياء النادرة التي ننافس فيها العالم: قدرتنا على التنظير، وعندما أتكلم بصيغة الجمع فإنني لا أعني المواطن العادي، وإنما أقصد ما نصطلح على تسميتهم بـ»النخب»، فكثير من الاقتصاديين يمتلكون حلولا بسيطة ومبتكرة للقضاء على الدين العام في بورما، ولديهم خطوات سهلة لحل معضلة البنك الدولي، فيما هم في الواقع عاجزون عن تنظيم ميزانية لمصروفات بيوتهم الصغيرة!وفي الثقافة يستطيع مثقف لدينا أن يتكلم لمدة شهر متواصل عن الديمقراطية وفوائدها، وكيف تكون ديمقراطيا في أسبوع، لكن ذات المثقف عندما وجد الفرصة مواتية له -عمليا- في الأندية الأدبية ليمارس التصويت كخطوة أولى للديمقراطية تردد واستشار وتجاهل وشكك، وكأنه فوجئ وشعر أن الأمر (أصبح جد)، وتحجج بأن (التكتلات) و(الأغلبية) لا يمثلان الوعي والحقيقة، بل إن الأسوأ هو مطالبة البعض بالعودة (للتعيين) وهذه طريقة آمنة للمثقف لسببين، أولا: تعفيه من المسؤولية عن اتخاذ القرار بنفسه، وثانيا: تهيئ له فرصة -خط رجعة- كي يحتج على غياب الديمقراطية ويواصل التنظير الديمقراطي!وفي جهة أخرى من التنظير الأخلاقي يواصل واعظ تحذيره من الغش والتدليس والخداع فيما يحمل شهادة أكاديمية مزوّرة أو (وهمية كما يصفها الدكتور موافق الرويلي)، وعندما يُواجه بالسؤال عن مصدر شهادته فإنه يقفز بخفّة (بامبو) للجهة الأخرى ليجيب بسؤال يمزج التعريض بالتقريع قائلا: قضيت عمري في الوعظ والدعوة لله فماذا قدمت أنت أيها السائل؟ ومثله ذلك الذي سرق نصائح تأتي على صيغ أمر وجمعها في كتاب، ولما أدين بالسرقة دعا للتسامح، بل زاد بأن نصح المسروق منه بلطف وعرض عليه من باب الأبوّة، أن يأخذ من كتبه الكثيرة ما يشاء، وهذا -للأمانة- نُبل من الرجل، فهو كما (اقتبس) دون إشارة من كُتب الآخرين فإنه لا يرى بأسا أن يعرض على الآخرين أن يسرقوا من كتبه ما شاؤوا، ربما من باب أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك!وكي لا يظن أحد أن هذا الموضوع حصر على فئة من الوعاظ، فإن من الزملاء (الكتّابجية) من يمارس نفس التنظير المؤطر بالانفصام، كالزميل (الهلكوني) ذو الشهادة الأكاديمية الوهمية الذي خرج بمنبر إعلامي شهير متباكيا على حرمان المواطن من الحرية في إبداء رأيه، ومطالبا بحقوق المواطن البسيط بخطبة تدغدغ مشاعر الحالمين حتى أصبحت شجاعته حكاية (تويتر وقروبات الواتساب)، وبعدها بأيام (صلّح خطأه)، وحرّض وألب الحكومة بأن تُراقب مواقع التواصل الاجتماعي حتى ظننا لفرط سوداويته أنه يعرف مواقع تواصل لا نعرفها!دعونا من هؤلاء الآن، ولنسأل: هل سمعتم من يقلل من أهمية محاربة العنصرية؟ نظريا نتفق أن ذلك ليس من ديننا ولا أخلاقنا ولا تربيتنا، لكن عمليا نحن لا نرى في ذلك بأسا، فالشيخ الأستاذ الدكتور والواعظ الشهير قال ردا على امرأة ناقشته لأنه برر إقامته لندوة في دولة أخرى بمكان (مختلط) وهو الذي ينصح ويعظ ويشدد على حُرمة الاختلاط، بأن النساء الموجودات (من القواعد)، ولما ناقشته إحداهن انفعل: (احترمي نفسك... أنا ولد حمايل)!وفي الطرف الآخر منظّر رياضي كان ممن يقولون كثيرا بتجريم العنصرية في الملاعب، ولكنه كالبقية، مثالي عندما لا يكون جزءا من الموضوع. هذا الجهبذ الشهير علّق على لفظ عنصري أطلقته جماهير ناديه المفضل عندما وصفوا الفريق السعودي المنافس بترديد هتاف «نيجيريا... نيجريا»، فهو لم ير في هذا اللفظ ما يستوجب التوقف وبرر العنصرية بقوله: (يا سادة ويا أحبة ويا كرام، كي لا ندس رؤوسنا في الرمل كالنعام! دعوني أصارحكم أكثر، ولو قليلا، أولا: لماذا نحن غير عن العالم؟ لماذا يتحرج كثيرون منا، من جذورهم؟! لماذا تغيب عنا ثقافة الشفافية بالقول، أنا أمريكي من أصل لاتيني؟ أو إنجليزي من أصل هندي، أو فرنسي من أصل سنغالي، أو إيطالي من أصل أرجنتيني، كما هو حاصل في البلدان الأكثر تطورا اجتماعيا ووعيا ثقافيا ورقيا تعاملاتيا؟!)، ألم أقل لكم إننا من الدول المتقدمة في التنظير (اجتماعيا ووعيا ثقافيا ورقيا تعاملاتيا)، وإذا لم يصدر قرار يجرّم بوضوح الإساءات العنصرية، فستظل ظاهرة ننميها من حيث أردنا محاربتها، وقولوا إن شئتم هذا (البدوي) يهذي.

ولن أعتبرها شتيمة!