بداية من القرن السابع الهجري أصبح للرقيق في مكة المكرمة نفوذ واضح، حيث سيطروا على القوات العسكرية والمناصب الإدارية.
وتبعا لزيادة نفوذهم، أصبحوا يشكلون ثقلا مهما في الميزان العسكري بين القوى المتصارعة على السلطة في مكة، ومصدر تهديد لمن لا يرغبون في إمارته، حتى أن مجموعة من هؤلاء القواد قتلوا الشريف علي بن عجلان سنة 797هـ، وساندوا أخاه محمدا في السيطرة على مقاليد الأمور في مكة، حتى سلموها إلى أخيه حسن، ثم عادوا وانقلبوا عليه، وحالفوا ابن عمه، إلا أن حسن حاربهم حتى انتصر عليهم.
ومما يدل على عظم نفوذهم أنهم سنة 817هـ، ونتيجة لتأديب أمير الحج المصري بعض هؤلاء العبيد بالحبس، ثاروا في مكة، وهجموا على المسجد الحرام بلباس الحرب، ودخلوه بخيولهم ونهبوا الحجاج، حتى توسط في الصلح بعض أعيان مكة، وانتهت الفتنة التي قيل إنها أعظم فتنة بعد فتنة القرامطة في المسجد الحرام.
رمى رقيق الشريف عبدالله بن سرور الطامح للإمارة في مكة منزل الشريف غالب أمير مكة سنة 1204هـ، وحاصروه وتحصنوا في البيوت المحيطة بالمسجد الحرام، وأصبحوا يترامون فيما بينهم، حتى تعطلت الصلاة في المسجد وأغلقت الأسواق واستمرت الفتنة أربعة أيام وانتهت باستسلامهم وخروجهم من مكة.
وبالرغم من النفوذ الذي تمتع به هؤلاء الموالي، ظلوا متقوقعين على أنفسهم اجتماعيا، فكانت لهم علاقاتهم الاجتماعية الخاصة بهم، خاصة في الزواج ولهم ألعابهم وتجمعاتهم، بل ومناطق سكنهم.
أما ما ذكره طرفة العبيكان في كتابه الحياة العلمية والاجتماعية في مكة في القرنين السابع والثامن للهجرة، حيث يقول «يؤلف هؤلاء القواد طبقة مهمة من طبقات المجتمع المكي تأتي في الأهمية بعد طبقة الأشراف» فهو بالتأكيد غير صحيح، فهم يؤلفون قوة عسكرية لها التزاماتها العملية وعلاقتها المباشرة بأمير مكة دون الأهالي.
وحين نتخطى هذه الفترة، وصولا إلى منتصف القرن الثاني عشر نجد أنفسنا أمام مرحلة أخرى تقلص فيها دور الرقيق وأعدادهم، وعاد دورهم محصورا فيما يتعلق بالخدمات أو المشي في المواكب وحراسة الشريف، فيما يعرف بنظام البواردية، ومرافقة قوافل الحجاج لحراستها، والمشاركة في التشريفات الخاصة بالولاة وما إلى ذلك.
ولعل ذلك يرجع إلى مشاركة السلطان العثماني في اختيار من يتولى إمارة مكة على عكس ما كان يحدث سابقا من إسناد الإمارة إلى ذوي النفوذ وإمدادهم بالمال دون الرجال.
أما بعد القرن الثاني عشر، فكان السلطان يدعم نفوذ من يتولى الإمارة ماديا وعسكريا، وأصبح حفظ الأمن يسند لرجال العسكرية العثمانية القادمين من تركيا، مثلها في ذلك مثل بقية الولايات العثمانية، كما أن تعيين واليا تركيا في مكة قلص من نفوذ الشريف، وبالتالي تقلصت حاجة إلى تملك المزيد من الرقيق.
مصادر الحصول على الرقيقتنوع الرقيق في مكة في بداية الفتوح الإسلامية، وذلك بتنوع الممالك التي يصلها الفاتحون المسلمون والأعراق الموجودة فيها ومقدار من يرسل منهم إلى مكة.
أما من بداية القرن السادس الهجري، أصبح الاعتماد الأساسي على الرقيق المجلوبين من أفريقيا، وكانوا يصلون إما عن طريق التجار أي بالشراء، وإما أن يصلوا كهدايا من الملوك والسلاطين إلى أمراء وأهالي مكة، بل حتى أمراء مكة كانوا يتهادون مع السلاطين بالرقيق، فمثلا نجد أن الشريف عرار بن عجل أرسل إلى السلطان الغوري هدية عظيمة من جملتها عشرون عبدا حبشيا.
كما أرسل الشريف بركات إلى الظاهر في مصر مجموعة من الهدايا من جملتها طواشيان (عبدان مخصيان) وجاريتان.
وأرسل أمير دارفور سنة 1279هـ ثلاثمائة من رقيقه ليتم توزيعهم في مكة على سبيل الهدايا.
ورغم أن الرقيق المجلوب من أفريقيا هو الأكثر انتشارا، إلا أنه كان هناك رقيق أبيض يسمى الشركسي، وسواء كان هذا الرقيق شركسيا أو غيره، يطلق عليه الشركسي، وأصبح اللفظ علما على الرقيق الأبيض عموما.
ولا يمكن أن نتجاوز هذه النقطة دون الإشارة إلى أن مصادر الرقيق التي أقرها الإسلام وهي الأسر أو السبي في الفتوحات، تتغير ليعتمد على الخطف والسرقة والاسترقاق بالقوة.
وشارك في هذه العملية حكام الأقاليم الأفريقية خاصة، الذين أصبحوا يعتمدون على تجارة الرقيق المختطف من الأدغال والبوادي ويسوقونه للبيع في الموانئ.