ما إن أُعلن الأمر السامي عن تعيين وزير التعليم الدكتور أحمد العيسى حتى بدأت سهرة السعوديين الذين تحولوا في تلك اللحظة لخبراء في التعليم وفي شؤون التيارات والأحزاب، بل وأظهر العديد منهم مهارات في التحليل النفسي وفي المعلومات الاستخبارية، وكالعادة كان الصوت الأعلى (لمناقرة) التيارين (الطباين)، ففريق احتفى بالتعيين، ليس رهانا على ثقته بما سيقدمه الوزير، إنما لإغاظة التيار الآخر، والفريق الآخر حوقل واستعان بالله على شن الهجمات على الفريق الأول، وليس مهما أن يعرف شيئا عن الوزير الجديد، يكفي أن التيار الخصم مدحه وهذا يعني أنه يشبههم، (وما أنا إلا من غزية إن غوت* غويتُ وإن ترشد غزية أرشدُ)، فيما الفريق الثالث (الأهدأ صوتا) يُقسم أن معالي الوزير يصلي صلاة الفجر مع الجماعة!
وهُنا تدخل (خبوبيٌ) - نسبة لخبوب بريدة ما غيرها - ليشبّه ما حصل بإخراج اللاعب الأسطورة دييجو مارادونا من الملعب ليلعب مكانه اللاعب المسلم محيسن الجمعان، ولا يهم الرأي الفني هُنا، الأهم ألا تتساهل بمسألة الولاء والبراء، وهذا قريب مما قاله الدكتور مصطفى محمود - رحمه الله - عن مسلم وكافر نزلا إلى البحر، فالأمر ببساطة كما يصفه مصطفى محمود: لن ينجو إلا من تعلَم السباحة، فالمسلم الجاهل سيغرق، والكافر المتعلم سينجو!
ها نحن نتحدث وكأن الوزير ليس مسلما، فيما الحقيقة أن الصراع بين تيارين كل منها يدّعي أنه يحب الناس والوطن والحكومة أكثر من الآخر، فريق يعتقد أنه هو (مصدر التشريع وممثل الدين الوحيد)، وفريق آخر لم يعجبه تصرف الفريق الأول، وعندما شتم الفريق الأول الفريق الثاني وقال إنه (ليبرالي)، رد الأول - للإغاظة فقط - نعم أنا ليبرالي، رغم أن الفريقين لا يعرفان الليبرالية، فالأول استخدمها للشتيمة، والثاني قبلها نكاية في الأول فقط، والليبرالية في مجتمعنا مصطلح (تكفير ناعم)، فعندما تسأل من يصنف آخر بأنه ليبرالي، وتقول: من هو الليبرالي؟ يقول لك: بأنه من يحارب الدين والفضيلة، وإذا سألته أليس من يحارب الدين كافرا؟ يُجيب: أنا لا أُكفر أحدا، لكن هؤلاء هم بنو ليبرال!
ويستمر الجدال بين الفريقين بمنطق (هو معنا ولا مع ذولاك!) بخبث، كنت أتمنى أن أقول بسذاجة، لكن الحقيقة أن قادة التيارات هم من النخب الذين يعلمون أن أي مسؤول لن يستطيع أن ينفذ أجندته الشخصية التي تخالف الأنظمة، وكلٌ يسعى لمصلحته الشخصية، ويعلمون أن (الجمهور) سيتقبل منهم التخلي عن مبادئهم وأفكارهم ويقفون بالصف الآخر متى ما دعت مصلحتهم لذلك، والتلوّن له مبرره الذي نجح كثيرا في مواجهة الجمهور، فما عليه سوى أن يعلن أنه (تراجع) عن أفكاره السابقة بعدما تأكد من خطئها، أو يدعي (التغيّر) والنضج، وفي كلا الحالتين سيقول عنه مريدوه إنه شجاع.. والاعتراف بالخطأ فضيلة!
الطريف أن الشارع أو الجمهور الآن لا يريد من الوزير عملا، ولا تهمه خططه وطموحاته، بل وليس مطلوبا منه أن يُثبت أنه متدين أم لا، الأهم أن يثبت بكل خطوة من خطواته أن يحب الصالحين، فليس مهما ألا يسجل (محيسن هدفا)، الأهم ألا يلعب (مارداونا)!


[email protected]