إنها صورة أخرى وليست أخيرة في الدلالة على موضوعها: صورة الضيوف الذين يغسلون أيديهم بدهن العود الملكي بعد تناولهم المأدبة التي لا بد أنها اشتملت على عجائب الطعام وغرائبه، كما كان غسيل الأيدي منها أعجوبة من أعاجيب الثراء وخيالاته. ولكنها صورة مختلفة في مادتها وشكلها؛ فالصور الأخرى تكررت حتى ألفناها: صور الأكوام المكومة من الأرز واللحم الملقاة في الأرض الخلاء، وصور السيارات الفارهة وهي تستعرض في شوارع لندن وباريس، وصور النقود البترولية المنثورة أمام العيون على الجميلات، وصور جموع غفيرة من المستجدين للتاجر الكريم... إلخ. أما غسيل أيدي الضيوف بدهن العود فصورة جديدة بحق ومختلفة، وهي ليست جديدة ومختلفة إلا في شكلها؛ لأنها لا تختلف عن غيرها من الصور المذكورة في الدلالة على الرغبة في إعلان الثراء والتمدح به.
وهنا المأزق الثقافي -النفسي- الاجتماعي. فإذا كانت صور التمدح بالثراء على ذلك النحو موضوع إنكار وشجب شديدين ـ كما قرأنا وشاهدنا وسمعنا- في منظور عامة الناس وخاصتهم على السواء، ومدار ازدراء لأصحابها وشماتة بهم وانتقاص لرشدهم، وعلة للطعن في أخلاقهم وفي معاني إنسانيتهم وحسهم الاجتماعي، فلماذا شعر أصحابها أنها تؤدي لهم معنى التمدح والمفاخرة؟! ولماذا نشعر نحن أنه لو كشف كل منهم عن حقيقة نفسه فيما فعل لقال: أريد أن يمدحني الناس؟! هذا هو المأزق: فعل يذمه الناس، ولكن فاعله يفعله رغبة في نيل مديح الناس له وإعلاء ذكره وتمجيده. والحل المنطقي لهذا المأزق يكمن بالضرورة في تسوية العلاقة بين المقدمة والنتيجة فيه؛ فلا يفعل المرء فعلا يمدحه الناس عليه إلا والفعل ممدوح في نظرهم.
لذلك تصبح علاقة التضاد في تلك الصور بين ذم الناس لفعل أصحابها وتمدح أصحابها به، دلالة على معنيين له في المجتمع: معنى معلن هو الذم، ومعنى ضمني هو المديح. فالناس يذمون الإسراف والتبذير والمفاخرة بهما ولكنهم في الوقت نفسه يمدحون الثراء والقوة والوجاهة والنفوذ وما إليها ويطلبونها. ولا تناقض ـ بالطبع - بين مديح الثراء وذم الإسراف، ولا مشكلة. المشكلة والتناقض هما في اجتماع المديح والذم لفعل الإسراف والتبذير والاستعراض بالمال؛ فالذم له يشتمل على الإقرار بثراء فاعليه والاستدلال عليهم، وشعور المسرفين والمبذرين والمتفاخرين بالثراء بمدح الناس لهم، هو شعورهم بالإقرار بثرائهم والاعتراف بقوتهم الاجتماعية؛ لأن الثراء علامة وجاهة ودليل نفوذ وعزة. وهذا معنى لا يحدث عندما يدلل هؤلاء الأثرياء عل ثرائهم بالتصدق على الفقراء والإنفاق على المناشط الاجتماعية وأعمال البر؛ لأن الفقراء ووجوه الصدقة والإحسان لا تمنح الثري المتفاخر بثرائه التبجح وكسر العين والامتياز على الأنداد؛ لا تمنحه الاستعراض ولفت النظر والإبهار.
لم يمتنع الضيوف من غسيل أيديهم بدهن العود، لم يمتنع بعضهم على الأقل، تماما كما لم ينتقد الضيوف في أي مشهد آخر الاستعراض المسرف في الوليمة أو غيرها؛ كانوا ينقادون طائعين، وكان الدهش والبهر مرسومين على وجوههم مع قليل أو كثير من الحرج. هذه العيون الناظرة إلى الثري هي التي تصنع إسرافه واستعراضيته الرعناء؛ إنه مغروس فيها، وهي مرآة ما يريد الشعور به والتمرئي فيه ودافعه؛ أعني تصاغرها أمامه، وتمجيدها له، ودهشها منه.
إن هذه الصور التي تستعرض الثراء في ذلة البسطاء ودهشتهم، لا يقتصر أثرها على ما تحدثه من ألم أو تذمر أو غبن عند من يشاهدها أو يقرأ عنها، بل تتعداه إلى ترسيخ معان خاطئة عن الثروة والمال، ودلالات على تكون الثروة والفقر في المجتمع. وهي إذ تتزايد وتتخذ أشكالا متنوعة ومسيئة بأكثر من معنى في حاجة إلى إطار تشريعي يعلن تجريمها ويسك من العقوبات ما لا يستطيع العابثون من هواتها تحديه أو التملص منه.
دهن العود.. وتمجيد الثراء!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
