من أجمل ما كتبه ابن خلدون في مقدمته فصلا عن الثائرين باسم الدين الذين يغفلون عن مآلات تصرفاتهم، ومما قال «ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر، والنهي عنه، والأمر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتلثلثون بهم من الغوغاء والدهماء، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، ولا يشعرون بمغبة أمرهم، ومآل أحوالهم، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير مأجورين...، والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل، أو الضرب- إن أحدثوا هرجا - وإما إذاعة السخرية منهم، وعدهم من جملة الصفاعين».
لا أجد أجمل من هذا النص من ابن خلدون استفتح به الحديث عن غياب (فقه المآلات) عن كثير من المنخرطين في الشأن الديني، خاصة ما فيه تماس مع الجمهور، مثل الشأنين (العمل السياسي)، و(تغيير المنكر)، ويكثر هذا في المنتمين للفكر السلفي؛ وذلك لغلبة الظاهرية عليهم في التعامل مع النص الديني، وغياب الاهتمام بالمقاصد، مع أن رحى أحكام الدين كلها في ما ليس عبادة محضة تدور حول تحقيق المصلحة باستجلاب نفع، أو دفع ضرر، وعليه فمراعاة المآل هي محل نظر المجتهد في هذا المجال، يقول الشاطبي «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة»، فالفقيه إذا تصدى لقضية من القضايا يكون أمام مناطين، مناط منظور في الحال، ومناط متوقع في المآل، فإذا اختلفا فمهمته الموازنة بينهما، فإذا تيقن أو غلب على ظنه في المآل حصول مفسدة راجحة أو مساوية للمصلحة الحالية، أفتى بالحرمة، والعكس صحيح، ويشهد لهذا قوله تعالى «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم»، وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون»، وفي غزوة أحد خان عبدالله بن سلول المسلمين، وانسحب بثلث الجيش، وكان منافقا يحيك المؤامرات ضد المسلمين، فاستأذن عمر بن الخطاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) في قتله، فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه».
فهذه النصوص تقرر هذا الأصل، وهو اعتبار المآل، ويعبر الأصوليون عن هذا بعدة تعبيرات منها (الأمور بعواقبها)، و(العبرة للمآل لا للحال)، و(الضرر في المآل يـنزل منزلة الضرر في الحال)، وفرعوا عنها عدة قواعد كـقاعدة (درء المفاسد أولى من جلب المصالح أو المنافع)، وقاعدة (عند تعارض مصلحتين يعمل بأعلاهما، وإن فات أدناهما)، وقاعدة (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما)، وأعملوا في نظرهم في المآلات مبادئ (سد الذرائع)، و(فتح الذرائع)، و(الاستحسان).
وكان فقه المآلات حاضرا في فتاوى العلماء ومواقفهم، فقد قال مطرف بن عبدالله «لأن آخذ بالثقة في القعود، أحب إلي من أن ألتمس فضل الجهاد بالتغرير»، ورفض الإمام مالك إفتاء أبي جعفر المنصور بهدم الكعبة، وبنائها على قواعد إبراهيم، وقال له «يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإني أخشى أن يكون بيت الله بعدك ألعوبة، فتذهب هيبته من القلوب»، ويحدث ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه قال «مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال. فدعهم».
هذا الفقه المقاصدي يغيب كثيرا عن تصرفات الإسلاميين الحركيين في مجتمعنا وفي العالم الإسلامي كله، فمثلا: ثلة من طلبة العلم لدينا ديدنهم مهاجمة الشيعة، والدعوة لمحاصرتهم، والتضييق عليهم، وعلى افتراض جواز ذلك دينيا فهو تصرف أرعن لا يبالي بالمآلات من تعكير السلم الأهلي، وبث الفرقة فيه، وشحن نفوس الشباب المتحمس، خاصة في ظل واقع عالمي ضاغط في قضايا حقوق الأقليات، وثلة أخرى مولعة بكل قضية تخص المرأة، فيصورون كل حدث يخصها على أنه منكر عظيم، ويحدثون ضجيجا وصخبا في إنكاره، كأن تلقي شعرا في صالة الرجال في ناد أدبي، أو ترشح نفسها في انتخابات، أو تمنح سجلا لعائلتها أسوة بالرجل، وعلى افتراض صحة قولهم فقد غاب عنهم فقه المآلات، فالسعودية تواجه هجوما دوليا شرسا في ما يخص قضايا المرأة، قد يفضي إلى ما لا يحمد عقباه.
وعلى المستوى العربي والإسلامي تبرز حركات العنف العبثي في تضييعها لفقه المآلات، فعلى افتراض صحة عملها ماذا كانت مآلاته؟ لقد أدى لإسقاط دولتي (أفغانستان)، و(العراق)، وإزهاق آلاف الأبرياء من المسلمين وغيرهم، وإفشال ثورة سوريا، وتدخل الدول الأجنبية في عالمنا العربي، وإحلال الخراب في العراق وسوريا وليبيا، ولصق تهمة الإرهاب بالمسلمين في أذهان شعوب العالم له، وإيقاظ فتنة الطائفية بين السنة والشيعة التي قد تتحول في ظل الزخم الطائفي المخيف إلى حرب ضروس لا تبقي ولا تذر.
إن أعظم رزية أن يسيء للدين من يريد خدمته، وقديما قال ابن مسعود «كم من مريد للخير لم يوفق إليه».
الإسلاميون الحركيون وفقه المآلات
سليمان الضحيان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
