الثقافة العربية واسعة المشارب بعيدة الأغوار، لها امتداد طويل لا ينقطع في تحريك المشاعر وتسليتها، منها الإطراء والمدح ودغدغة العواطف بالكلام الجميل عن الممدوح والمستمع، وقد وجد الشعراء منذ القدم فائدة المدح وما يجلبه من ثراء فبالغوا بمدح الأجواد ممن يظنون أن في أيديهم مالا يجودون به عليهم.
وفي طلب المال ذهبوا مذهبا بعيدا في فضائل من يمدحون، حتى وصفهم القرآن بأنهم يقولون ما لا يفعلون، وكان الشاعر هو لسان حال الماضي كله وصحيفته الناطقة، وقد نهى الرسول عن المدح المبالغ فيه، ومع ظهور أول صحيفة في العالم انتهى دور الشاعر ومطولات المديح والكدية التي سادت العصور القديمة وبدأت مرحلة طويلة أخرى غير مرحلة الشعر وغير مرحلة الشاعر تبدلت الوسائل واختلفت الموضوعات، ولكن بقي للمدح مسافة معقولة ووسائط عديدة تزجيه وتمارسه وتجد وسيلة إليه حتى فيما جد من وسائل الحياة وشؤون الناس.
من أساليب المتغيرات الجديدة تنحى الشاعر جانبا وأخذ مكانه الكاتب والمحرر في الجريدة وكاتب الرأي، وكانت رسالة الكتابة في غاية الرزانة والاحترام عند المجتمع، حيث يعد ما يكتبه الكاتب في جريدته وما يعبر به عن رأيه هو الشأن العام الذي يناقش قضايا الناس كل الناس ويناقش أوضاعهم، ويكون معهم في مطالبهم كما يكون معهم في ضرائهم وسرائهم، معلما ومثقفا في معارفه ومدارك عقله وما يقدمه في كتابته، يعد مدرسة أخلاقية في سلوكه وفي مبادئه وما يعرضه من آراء وأفكار بناءة ومفيدة، يحافظ على قرائه كما يحافظ على أعز ما يملك في حياته.
وكانت الصحافة مدارس علم وأدب وفكر مستنير ولا يتصدى لمهمات صاحبة الجلالة إلا القادرون من الناس والمخلصون منهم، ولكن المستوى الرفيع الذي تمتعت به الكتابة الصحفية كان صعبا وشاقا السير فيه ويحتاج ممن يرغب ممارسة التوجيه من منبر الصحافة أن يكون قد أهل نفسه وأخذ بأجمع أسباب الكمال، وأول تلك الأسباب أن تكون أمانة الكلمة فوق كل الاعتبارات، وأن يكون الصدق ومحض الإخلاص هو غايته ولو أضرت به، وأن يحترم عقل القارئ الذي يتابعه ويأخذ عنه ويحترم إرادته ومكانه الذي يكون فيه ورأيه الذي يشير إليه.
هذا ما كان أو هذا هو ما يجب أن يكون، لكن تحولت الصحافة في عالمنا كله، وتحول بعض كتابها إلى مساحات إعلانية للمدائح وتسطير الأمجاد الوهمية وتضخيم المنجزات التي لا يراها إلا كاتب تلك المدائح ومنشئ تلك الفضائل والمحدث عن الخوارق العلمية والقدرات العبقرية لذلك المسؤول ولهذا المدير وذلك الموظف.
من حق المجتهد في أي موقع يخدم الناس ويخدم المصلحة العامة ويظهر كفاءة وقدرات يراها الناس ويجدونها واقعا محسوسا أن يثنى عليه ويذكر نجاحه فيما حقق من إنجاز في حدود مسؤولياته حتى وإن كان ما يقوم به واجبا عليه وعملا مطلوبا منه ولا فضل له فيه.
أما كيل المديح المجاني أو مدفوع الثمن لمن لم يعرف له الناس عملا ولا يشهد له أحد بإنجاز فإن ذلك من العمل الممقوت والتزلف البغيض، والأهم من ذلك أنه تضليل فاحش وقول مرذول أول ضحاياه الممدوح نفسه حين يسمع ما يضفيه المادحون عليه فيظن أن ما يقال عنه حقيقة وما يوصف به واقع فلا يغير ما هو فيه ولا يبحث عن ما هو أفضل.
الكتابة في الشأن العام مسؤولية يجب أن تتصف بالصدق، والكلمة أمانة، ومن أراد بها غير ذلك فهو يغش الممدوح ويوهمه بغير ما هو فيه، ويدلس على القراء الذين ينتظرون منه محض النصيحة بعيدا عن التزلف، وصدق من قمع المداحين حين قال: قولوا بقولكم أو ببعض قولكم فإنما أنا بشر مثلكم.

[email protected]