إن ظهور الإعلام الجديد في العالم كان بمثابة ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية وتغيير جذري في سياسة التواصل والعلاقات والتكنولوجيا محليا وعالميا، وإن اختلفت آراء الناس حول هذا النوع من الإعلام، إلا أننا نتفق أن أعظم إيجابياته تكمن في تغيير الحدود والأدوار بين جهات الاتصال: المرسل والمستقبل، في حين الإعلام التقليدي لا يتيح لنا إلا ممارسة دور المستقبل، الإعلام الجديد كون لنا منبرا وأعطانا مايكروفونا وسمح للشعوب بأن يظهر لها صوت يسمع ويهاب.
إن الإعلام الجديد ببساطة نعمة من الله للشعوب، به تزداد ثقافة ووعيا وتحررا، 87.18 % من مستخدمي الإعلام الجديد أقروا بتأثيره على نظام حياته وكان 71.79 % من المستخدمين اعترف بأن الإعلام الجديد كان له تأثير إيجابي على حياته، حيث كثير من المجتمعات انفتحت فكريا من خلال ازدياد الرصيد المعرفي والثقافي وتبادل الأفكار والآراء، وأهم التأثيرات الإيجابية على الشعوب هو رفع سقف الحرية أكثر، وزيادة قوة كلمة الشعب في تحديد مصيره وتكوين سلطة رابعة في العالم، فلا أحد ينكر دور الإعلام الجديد في صنع الربيع العربي ومساندته وإنجاح مساره، وغيره الكثير من التغييرات التي كانت لصالح الشعوب.
لكني أرى ومن وجهة نظري بكل أسف أننا كمجتمع سعودي لم نستطع أن نصل بالإعلام الجديد لإنجاز عظيم يشهد، وأننا سنصل لـ 2016 ونحن لم نحقق ما كنا نتوقع تحقيقه سنة 2010 و2011 بالإعلام الجديد، بل أرى بكل أسف أننا وصلنا بالإنجازات لمرحلة معينة توقفنا عندها، لحدود معينة ولم نستطع تجاوزها!
إنني أرى أننا كمجتمع تسببنا في بتر إعلامنا! كنا نحن السبب في جعله إعلاما عقيما، حيث توقف عن التأثير المطلوب منه وأصبح مجرد وسيلة اتصال كغيره من الإعلام التقليدي بعدما كان أكثر من ذلك، إن سوء استخدام الوسائل يحول النعم إلى نقم، والإعلام إلى جهاز هزلي، المسؤولية بلا قيمة عند الناس والحرية إلى لهو لا فائدة منه، وذلك عن طريق الاستخدام السيئ لمواقع التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا، فمثلا سوء استخدام تطبيقات الاتصال مثل الواتس اب بنشر الإشاعات والأخبار الملفقة يقلل من مصداقية الإعلام الجديد بشكل عام، واستخدام مواقع التواصل مثل تويتر وفيس بوك في السب والقدح والتعرض للناس بشكل سلبي، وتسخيرها لأهداف غير مفيدة وتوظيفها لمصالح سيئة كلها أسباب تقلل من نجاح عملية التواصل.
موقع اليوتيوب مثلا استنزف بشكل مبالغ فيه من ناحية البرامج النقدية والساخرة لدرجة تجد مئات البرامج والقنوات الساخرة بلا هدف في 2011 حتى أفقدت الموقع قيمته، فلا تجد الآن في 2015 من هذه البرامج إلا عدة برامج ونادرا ما تصنع تأثيرا إيجابيا بين الناس.
من ناحية أخرى تسويق بعض الشخصيات السطحية لنفسها من خلال مواقع التواصل أفقد الإعلام الجديد قيمته، حيث إننا في زمن أصبح من السهل فيه جعل السطحيين والسخفاء مشاهير ليؤثروا في عقلية الجمهور بشكل سلبي، كل تلك الأسباب تتسبب في تحويل الإعلام الجديد إلى إعلام تقليدي، لمزيد من القيود وكثير من الحدود ولتضييق سقف الحرية على المجتمع.
إن الرقابة يجب أن تكون نابعة من داخل كل مستخدم لوسائل الإعلام، على الأقل الفئة الغالبة المؤثرة منا، يجب أن نعظم قيمة الإعلام الجديد في نفوسنا ونستشعر مسؤولية الإعلام الجديد بيننا، وذلك عن طريق الاستخدام الذكي والصالح لتطبيقات ومواقع التواصل، فلا نسهم في نشر الإشاعات والأخبار غير المؤكدة. معرفة وجود الحاجز بيننا وبين غيرنا لا يقلل من وجود الاحترام والأخلاق والآداب العامة، يجب وضع أهداف لاستخدامنا للإعلام الجديد، ومراقبة أبنائنا وتربيتهم بشكل واع ومسؤول في استخدام الإعلام والتكنولوجيا، والأهم من ذلك الإيمان بأن الإعلام الجديد أكثر من وسيلة تسلية وترفيه، بل وسيلة توعية وتثقيف وانتقال من عقلية لعقلية أخرى، من مرحلة لمرحلة أعلى.
توقفوا عن تدمير الإعلام إذ هو حبل النجاة الملقى إلينا والمنبر الوحيد المتاح لنا، توقفوا لأن إعلام اليوم هو من يصنع العقول وينشئ المبادئ، توقفوا حتى لا يفقد الإعلام قوته وتأثيره وقيمته، توقفوا قبل أن يفوت الأوان.