خلال مناظرة في الانتخابات الأولية للحزب الديمقراطي عام 2007 قال باراك أوباما، وكان لا يزال سيناتور، إن من السخف اعتبار عدم الحديث مع بلد عقوبة له. بعد ثمانية عشر شهرا، فيما كان العالم يتفرج على تنصيبه التاريخي، كرر انفتاحه على الحوار مع أعداء أمريكا قائلا “سنمد أيدينا إذا كنتم مستعدين أن ترخوا قبضاتكم”. منذ ذلك الحين، تحدثت إدارته مع كوريا الشمالية وحركة طالبان، وتحدت كل الانتقادات لتبدأ جهودا لإعادة فتح باب المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، وعملت على أن يخرج تنظيم الإخوان المسلمين من عزلته في مصر، وتمكنت بعد 35 سنة من المفاوضات أن توصل الولايات المتحدة وإيران إلى حافة اتفاقية نووية. كما التقى الدبلوماسيون المتقاعدون توماس بيكرنح وروب مالي – بالإضافة إلى المسؤول في وزارة الخارجية راتشيل شنيلر التي كانت في إجازة في تلك الفترة- مع حركة حماس. تأييد أوباما للمفاوضات يدعمه جميع المهتمين بالسياسة الخارجية. رايان كروكر، وهو دبلوماسي معروف في عمله في أفغاستان والعراق، ذهب أبعد من ذلك بقوله إن الولايات المتحدة يجب أن تتفاوض حتى مع حزب الله. نيمولاس بيرنز قال أيضا إن أمريكا لن تخسر شيئا “إذا جربنا الدبلوماسية وفشلنا”. فيما أصبح تبني أوباما للتفاوض مع أعداء الولايات المتحدة هو المعيار في السياسة الخارجية، فإنه يعتبر ابتعادا عن سياسات الإدارات السابقة ونهجا مقبولا بشكل عام. لكن التاريخ يعلمنا أن هذا النهج يأتي بتكاليف عالية غير مقودة. ميكافيلي رأى أن التفاوض والحوار من أساليب كسب الوقت فيما تقوم الدول بتقوية نفسها. أما الدبلوماسي الهولندي هوجو كورتيس، من القرن السابع عشر، فقال إن الحوار جيد ولكن ليس مع “دول شريرة”. غالبا ما يلجأ الدبلوماسيون إلى الحوار عندما تكون الاستراتيجيات البديلة سيئة. الأمريكيون منهكون بعد أكثر من عقد من الحرب في أفغانستان والعراق، ومع أن العقوبات خيار أفضل قليلا عادة، إلا أنها تسبب أضرارا جانبية ضد الشعب الذي لا يكون مقصودا بها. لكن كون الإستراتيجيتان العسكرية والاقتصادية مكلفتين لا يجعل الحوار هو الحل. التفاوض مع الأعداء يعطيهم الشرعية. كما أن حقوق الإنسان تكون ضحية مباشرة في الغالب. الإعدامات كانت كثيرة جدا في عهد الرئيس خاتمي في إيران رغم دعوته إلى “حوار الحضارات”، وهي كثيرة حاليا في عهد الرئيس حسن روحاني. فوق هذا، العمليات الدبلوماسية يمكن أن تعيق التوجه لتطبيق العقوبات أو العمل العسكري –كما حدث في حالة سوريا- وبذلك تساعد الأنظمة الدكتاتورية على تجنب الحساب والمساءلة. الأنظمة التي تعتمد الاحتيال والمراوغة تفهم أن المفاوضات تعطيها المزيد من القوة لأن الغرب لا يحب الابتعاد والتخلي عن الحوار. يقول هنري كيسنجر في إطار حديثه عن المفاوضات الأمريكية مع الاتحاد السوفييتي السابق “عندما تصبح المفاوضات بحد ذاتها هي الهدف الذي يريدونه، فإنهم يصبحون تحت رحمة الفريق الذي يكون أكثر استعدادا للتخلي عن المفاوضات وإنهائها”. من ناحية ثانية، لا يمكن للحوار أن يحدث في فراغ. الظروف التي تتم فيها المفاوضات هامة جدا. انحلال الاتحاد السوفييتي وسقوطه خلق فرصا ثمينة كانت تعتبر في وقت من الأقوات غير ممكنة. تلك الظروف، بالإضافة إلى الانتصار السريع الذي حققته عملية “عاصفة الصحراء” ضد العراق في حرب تحرير الكويت، قاد إلى اختراقات عديدة امتدت من بيونج يانج إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. التهديدات أيضا –وليس الترضية- يمكن أن تسهل العمل الدبلوماسي. الزعيم الليبي السابق معمر القذافي اعترف بعد سنوات من الأمر أن استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة ضد العراق في عام 2003 أثر على قراره بالتخلي عن البرنامج النووي الليبي. الرئيس أوباما أعلن في خطاب حالة الاتحاد في الشهر الماضي أنه “مع حلفائنا وشركائنا، نحن نتفاوض لترى إذا كان بالإمكان سلميا تحقيق هدف نشترك فيه جميعا: منع إيران من امتلاك سلاح نووي”. هجفه نبيل، لكن التاريخ يعلمنا أن الكلام وحده قد لا ينفع، وأن الاتفاقيات قد تأتي بثمن غال
* واشنطن بوست
ثمن التفاوض مع الأشرار
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
