تربص القوى الكبرى بالعالمين العربي والإسلامي ليس وليد الساعة، بل هو متأصل منذ انتشار الدعوة الإسلامية، وليس بخاف على الجميع الحروب والحملات الصليبية المتكررة على بيت المقدس قبل مئات السنين، وهو مصداق لما أخبر الله عز وجل عنه بقوله تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وقيض الله عز وجل صلاح الدين الأيوبي لهزيمتهم وطردهم منها، ولم تنس تلك القوى هذه الهزيمة واستغلت ضعف المسلمين وانقسامهم وعادوا جميعا لاستعمار الدول العربية والإسلامية - باستثناء بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية - واستغلوا خيراتها ومقدراتها، بل وربطوا اقتصاديات هذه الدول المستعمرة باقتصاديات بلدانهم وجعلوها منتجة للمواد الأولية والخام ومصدرة لمنتجاتها لهم بأبخس الأثمان واستمر هذا الأمر بعد نيل هذه الدول استقلالها، وتحول الاستعمار من عسكري إلى اقتصادي.
ولم تكتف هذه القوى بذلك بل استغلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وكشفت عن حقدها الدفين على العرب والمسلمين، وأعلنها صراحة الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن عن عودة الحروب الصليبية، ولم يأت هذا التصريح من فراغ، حيث كشفت الوثائق السرية عن مخططات هذه القوى الكبرى للعودة مرة ثالثة لنهب خيرات العرب والمسلمين، وتقسيم دول المنطقة إلى دويلات صغيرة وضعيفة وإشغال مجتمعاتها بحروب أهلية وطائفية، وإذكاء الصراع السني الشيعي والتحالف مع الصفويين الإيرانيين في سبيل القضاء على أهل السنة.
ولا ننسى في هذا المقام ما صرح به ملك الأردن عبدالله الثاني عن وجود هلال شيعي، وكانت البداية بالعراق، حيث تم احتلاله من قبل الأمريكان وبريطانيا بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، واتضح لاحقا كذب هذا الادعاء ثم سلموه للنظام الإيراني الصفوي الحليف غير المعلن للقوى الاستعمارية، ثم نفذ عملاء هذه القوى ما سمي بالفوضى الخلاقة التي أعلن عنها كبار المسؤولين الأمريكان قبل سنوات وأطلق عليها لاحقا ثورة الربيع العربي، ولم يكن ربيعا بل كان خريفا مدمرا لكل الدول التي تعرضت له مثل ليبيا ومصر وتونس واليمن وسوريا، وأصبحت هذه الدول مسرحا مفتوحا لهذه القوى الكبرى ومخابراتها مع شريكها الأساسي وهو النظام الصفوي الإيراني وأتباعه مثل حزب الشيطان اللبناني والمتمردين الحوثيين في اليمن.
ونجم عن هذه التدخلات والصراعات قتل وتشريد كثير من شعوب هذه الدول وتجلى هذا الأمر بشكل واضح بكل من العراق وسوريا وليبيا واليمن، وازداد خلط الأوراق بشكل أكبر وأكثر في سوريا بعد التدخل الروسي السافر فيها بشكل مباشر، وتورطه في عمليات القتل والتدمير لما تبقى من بنية تحتية في هذا البلد الذي ابتلي بنظام دموي قاتل، متمثل في بشار الأسد الذي قتل كثيرا من أبناء شعبه لمجرد مطالبتهم بجملة من الإصلاحات السياسية.
ويدرك الجميع أن هذه التدخلات من قبل الروس والأمريكان وبعض الدول الغربية والنظام الصفوي الإيراني لا تهدف إلى حماية الشعب السوري الشقيق، بل تسعى لإعادة اقتسام العالم وعلى وجه الخصوص العربي والإسلامي، وقد بدأ هذا المخطط بحملة منظمة لتشويه صورة الإسلام في أذهان العموم، وربط ما يحدث من تفجيرات واغتيالات بالمسلمين، وللأسف الشديد فإن بعضا من أبناء المسلمين قد غرر بهم وتم استغلالهم لتنفيذ مخططات هذه القوى الكبرى، بدءا من أفغانستان ثم الشيشان والبوسنة وكوسوفو ثم العراق وسوريا عبر تنظيمات إرهابية تدعي الإسلام والإسلام منها براء، مثل القاعدة وداعش وغيرهما من هذه التنظيمات الإرهابية العميلة.
والغريب في هذا الأمر والذي يكشف عن حجم التآمر أن هذه التنظيمات الإرهابية والتي تدعي الإسلام ونصرة المظلومين على حسب قولها في هذه المناطق الملتهبة لم تطلق رصاصة واحدة على الكيان الصهيوني، أو داخل أراضي النظام الصفوي، بينما نجدها تستهدف المساجد والمنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي واليمن ومصر، وهذا يؤكد ارتباط هذه التنظيمات وتلقيها التعليمات من قبل الصفويين وأتباعهم.
والهدف من ذلك نقل وتوسيع مناطق الصراع لتشمل بلادنا الغالية ودول مجلس التعاون الخليجي، لذا فإن من الأهمية بمكان توعية الجميع بالأخطار المحدقة ببلادنا، حتى يدركوا حجمها وعدم الاستهانة أو الاغترار والانخداع بفكر هذه التنظيمات التي تنفذ أجندة خارجية تستهدف وحدة وأمن بلادنا، وأن يكون وضعها ومصيرها مثل سائر هذه الدول التي انكوت بنار الفتنة وأصبحت مسرحا لعمليات وصراعات القوى الكبرى ونجم عنها قتل وتشريد سكانها وتدمير منشآتها المدنية والعسكرية.
وأسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من شر هذه الفتن والمؤامرات، وأن يرد كيد أعدائنا في نحورهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.