عن الكاتب الكبير، قينان الغامدي وفقه الله: إن «الفساد الإداري باب كل فساد» وإنه «آفة التطور والتصحيح». يقول قينان: «الفاسد إداريا ضد كل من يحاول إصلاحه، أو حتى مجرد الإشارة إليه والمدير الفاسد ليس بالضرورة سارق مال، فقد يكون نزيها لكنه غير مؤهل، لذا فهو سارق منصب». في الغالب، حركة مرور قناعاتي تسير مع قناعات الأستاذ قينان في أكثر من اتجاه نحو القضايا الوطنية
والتوافق الراهن حتمي، وينطلق من معطيات تفاعلي مع المقال الذي نشرته صحيفة مكة الاثنين 10 فبراير الحالي للكاتب، تحت عنوان (الفساد الإداري أخطر وأعمق). ساقتني المقاصد إلى التحرش بالتفاصيل ونبش ما فيها من إشارات، أرى بتواضع أن الكاتب استعملها لرسم الخط الفاصل على الأرض لترسيم الحدود بين السبب المثقل بالشكوك العريضة والنتيجة المتحركة بالسيئات على الأرض
قينان في كل الأحوال يحاول «شد حبل» انتباه القوم والتصويب على بوابة الفساد العظمى والفرص الشيطانية الرابضة في زواياها -وأظنه يحاول أيضا قطع الطريق على المرتزقة. عموما، كأني به يعزل الفساد الإداري في بقعة ويحجزه ليفك الاشتباك بينه وبين بقية أنواع الفساد التي ولدت منه ونمت في محميته، ليكشف وجه المجرم الحقيقي الذي أشغل الواقع وأزعجه وتمكن من المراوغة ليضع الجميع في مواجهة مع مخلفاته ذات البنية القوية ويتوارى عن الأنظار لزيادة التمويل والإنتاج في مزرعة الضمائر الميتة. ومهما كانت احتمالية الإضافة ضعيفة فإنه من المناسب استغلال الموقف لشد انتباه المجتمع وتنشيط ذاكرته للالتفات إلى سوء الفساد الإداري وتأثيره، ودفعه إلى تأمل خطورة انعكاساته على الصعيد السياسي وتلمس المستوى المقلق الذي وصل إليه (كقضية وطنية) تحتل مركزا متقدما في مربع التحديات الأمنية وتتطلب الانتقال من الشكوى في المجالس العامة إلى الإسهام الفعلي في تحجيمه. هذا إلى جانب الرغبة في «نكز» الذهنية الرقابية من جهة أخرى لدواعي اليقظة إلى أهمية ضبط القفز الرقابي ليكون الانطلاق من خط البداية في المضمار إن كانوا يريدون (أهل الرقابة) الوصول العاجل الفعال ويستحلون المقدمة في خدمة الوطن. صحيح أن الحلول من الصفر غاية في التعقيد لكن الانطلاق من المكان الصحيح هو المهم والمؤثر. والسؤال الذي يصعب تجاوزه هو: كيف أتى هذا الفساد اللعين على المستوى المحلي بهذا الشكل الذي أوجب الاستنفار الرسمي لحماية ما تبقى من النزاهة، سجية المؤمنين وعنوان ازدهار الأمم؟ هل المسألة تاريخية ويمكن وصف الحاضر في سياق التاريخ بالمخنوق بمخرجات الثقافة الإدارية السائدة في الماضي غير البعيد، حين كان خريج اللغة العربية يدير البلدية وخريج الجغرافيا يدير إدارة الطرق والمحاسب المالي يعمل في الأرشيف، حين كانت الوظيفة الدسمة محجوزة لصالح توصية من الوجيه أو قريب المسؤول أو مكالمة يتبعها استرخاء، وبموجبها يصدر قرار التعيين على الفور بغطاء التوجيه المائع -الموظف يكمل اللازم نظاما- العبارة البيروقراطية التي يركن إليها أصحاب السعادة (المديرون) لذر الملح في العيون وتلتقطها همة الحاشية وتحولها إلى عملية تنفيذية منحازة لهوى المدير ورغبته. في محاولة قراءة واقع الفساد الإداري، تتمدد مسارات التأمل وتكثر التخمينات وتسمن الظنون، والمنطق يقول إن المحاباة أسست قواعده وأتت بالمدير الهزيل ونشرت ثقافة توظيف الأقارب، والمحسوبية رفعت أعمدته وخلقت فرص العبث وانتشرت العدوى وطالت تباعا قرون الفساد وأخذ ينطح ويدمي النطيحة، والأجهزة الرقابية التي بيدها صنع الفروق لصالح النزاهة والعدالة الاجتماعية ما زالت في اجتهادها تمد الخطوة وتثنيها والفساد يسير «هنا المشكلة وهنا الحل». وفي الختام، أخشى ما أخشاه أن يوسم عصرنا الحالي بعصر الانحطاط الإداري.