مرور عقد ونصف على دخول الانترنت يعني نشوء أكثر من جيل تغذى وعيه اليومي على هذه الشبكة العالمية بعيوبها ومميزاتها. ومع كل عام تنقلنا تطوراتها إلى مرحلة مثيرة تبدو فيها الانترنت نفسها قبل عشر سنوات خدمة بدائية. لم تكن أهم ميزة للانترنت خاصة في عالمنا العربي في السهولة، ولا السرعة أو التكلفة، وإنما في قدرتها على إلغاء الرقيب المسبق. إذا ظلت الجهات الرقابية تفكر بذهنية عصر الورق، تدور حول وسائل المنع، والحجب، والتهديد، وهو مؤشر على أزمة تصور لطبيعة العالم التقني الجديد. اليوم قبل التفكير بإجراءات إدارية وتراخيص، نحن بحاجة إلى بناء فلسفة وتصور جديد للرقابة تناسب هذه المعطيات المتسارعة وتأثيرها على ذهنية الفرد والمجتمع. هل أنت مع أو ضد الرقابة، مثل هذه الأسئلة التقليدية يجب أن لا تطرح لأنه لم يعد لها معنى عمليا. عندما تتطور رؤيتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية لمفهوم الرقابة والسيطرة مع طبيعة المرحلة ستصبح أفكارنا الإدارية في مكانها، وتبدو جهود الجهات الرسمية أكثر فعالية فيما يخدم المصلحة العامة. مشكلة الفضاء الالكتروني أن كل قرار تقليدي في مواجهته قد يسهم في صنع مشكلات غير منظورة وأكثر تعقيدا، تخلقها طبيعة هذا الفضاء اللامتناهي في خياراته. فإذا أضعفت جانبا بممارسة التهديد و الحجب فإنه يقوى جانب آخر لم يضعه في الحسبان هذا الرقيب القادم من عصر الخطابات والتعاميم. في العصر الذهبي للمنتديات في التأثير على الرأي العام كانت هناك محاولات عديدة للسيطرة عليها بطرق يدركها المتابع في حينها، وحدثت الكثير من المحاولات لكسر تلقائية هذا الفضاء، لكن في تلك السنوات كان هذا الحصار يصب في مصلحة الـ«فيس بوك» تدريجيا، قبل أن يأتي التحول الضخم والمثير كهجرة جماعية إلى تويتر مع بدايات 2011 وحتى الآن. هذا التجمع في ميدان تويتر جزء منه صنعه الرقيب دون أن يشعر، وهذا لا يعني عدم وجود أسباب أخرى. كثافة هذا التجمع التويتري الذي بدا وكأنه زلزال تأثرت به الكثير من المواقع والصحف والقنوات. يوم الاثنين الماضي نشرت جريدة الحياة أن صحفا الكترونية تواجه عقوبة «الحجب»، وأن «الثقافة والإعلام» حصرت 41 منها غير ملتزمة بالضوابط، داعية الصحف الاكترونية لإصدار تراخيص مزاولة النشاط الإعلامي. وأن الوزارة تتأسف باللجوء إلى «الحجب» في حق كثير من الصحف التي تأخرت وتم منحها مهلة. بموجب اللائحة التنظيمية، ولم يستبعد أن تتجاوز العقوبة الحجب إلى فرض غرامة مالية على مالك الصحيفة بحسب النظام. منذ طرح فكرة اللائحة المنظمة للنشر الالكتروني منذ سنوات، يتبادر للذهن عندما تطالع بعض التصريحات نوعية التصور الرسمي لهذا الفضاء. كيف تقدم نداءات وتهديدات لأسماء الكترونية ليست بحاجة لك، وتستطيع الاستغناء عنك باسم وهمي أو حقيقي، طالما لم تظهر على الأرض كمؤسسة أو منشأة؟ ولهذا لا أفهم لماذا هذا الحرص على أشياء لا تزيد القضية إلا تعقيدا ومسؤوليات يقحم فيها الجانب الرسمي، ويغلف هذا الفضاء بصبغة رسمية دون قدرة حقيقية على ضبطه. قبل سنوات توقعت أن فكرة التسجيل مجرد اختيار وتشجيع لهذه الصحف الهاوية. يبدو أن الوزارة لا تفرق بين الفضاء الافتراضي والواقع. المنتج لأي مادة مرئية أو مكتوبة أو مسموعة في هذا الفضاء تحت أي مسمى ليس بحاجة لك
متى يصبح بحاجة للوزارة؟ عندما يهبط إلى أرض الواقع، ويرغب في التحول إلى مؤسسة. هنا يصبح بحاجة لترخيصك، ليبدو ككيان رسمي معترف به. حينها سوف يبحث عنك ويطالبك بأنظمة ليخضع لها كأي نشاط آخر، وهو ما حدث لبعضها. كيف تهدد من لا يحتاجك وليس لك عليه سلطة، ولديه خيارات أخرى سهلة؟ فبدلا من أن يكون صاحب الصحيفة أو الموقع باسم معروف كمحمد صالح، يتحول إلى شخص مجهول باسم صالح محمد، وبنطاق غير سعودي، وهنا يستطيع تجاوز حتى نظام جرائم المعلوماتية.طالما صاحب الوسيلة الالكترونية يظهر باسم معروف، فهو سيراقب نفسه تلقائيا دون ترخيص وملف علاقي، لأنه يعرف أنه مسؤول عن ما يقدمه، وسيتعرض لملاحقة قانونية عندما ينشر خبرا أو يغرد في تويتر أو يكتب حتى على أحد جدران الشوارع. تزامن خبر الحجب المثير لـ41 صحيفة مع وجودنا المتأخر كالعادة في سلم الترتيب في الصحافة العالمية، والذي فاجأ به مذيع سكاي نيوز العربية الصحفي السعودي الذي كان يبذل جهدا في اختراع تبريرات لوجودنا السنوي في المنطقة السوداء في خارطة «مراسلون بلا حدود»!
حجب صحف الكترونية.. بذهنية ورقية
عبدالعزيز الخضر4 دقائق للقراءة

حجم الخط
