تحديد النسل غير (تقنينه أو تنظيمه)، لكن مجلس الشورى أسقط توصية (تنظيم) تقدم بها عضو المجلس سعود الشمري إلى لجنة الشؤون الصحية والبيئة في المجلس تلزم فيها وزارة الصحة بالتنسيق مع الوزارات والجهات الحكومية المعنية الأخرى بتبني برنامج وطني للمباعدة بين الولادات، وهو ما يعني (التقنين أو التنظيم لا التحديد) لكن سدا للذريعة سقطت التوصية، بعد تخوف أعضاء في اللجنة -ربط الله على قلوبهم وطمأن خواطر هم- من أن تكون بداية (لمشروع تحديد النسل). الشمري نفى أن يكون الهدف تحديد النسل وقدم مبررات نشرتها هذه الصحيفة (مكة) يوم الخميس الماضي وقال: إن سبب تقديم تلك الدراسة هو أن المباعدة بين الولادات تعطي الطفل حقه من الرعاية والعناية، وتسمح للأم بالتعافي جسديا وعاطفيا واجتماعيا قبل أن تحمل مرة ثانية لتواجه متطلبات الحمل اللاحق، والولادة والرضاعة والعناية بالطفل الجديد، ونصت التوصية على أن من خصائص البرنامج أن يكون عاما موجها إلى جميع فئات المجتمع دون تمييز أو تخصيص لفئة أو منطقة. وأضافت التوصية أن البرنامج سيكون اختياريا، يعود القرار فيه للزوج والزوجة إذا اقتنعا. وأشارت التوصية لوضع الأسرة السعودية في الوقت الحاضر، ومدى الضغوط التي تقع عليها نتيجة تعدد الولادات وتقاربها، بمتوسط زمني قصير نسبياً يقل عن الحد الأدنى المستهدف وهو ثلاث سنوات، يضاف إلى ذلك ضعف الإمكانات الصحية على مستوى السعودية القادرة على مواجهة الآثار الناتجة عن تقارب الولادات. وأكد العضو في التوصية أنه في المباعدة بين الولادات إرشاد رباني نحن الأولى به كمسلمين، وذلك بأن يستهدف البرنامج أن يكون بين الحملين ثلاث سنوات كاملة، منها سنتان للرضاعة وسنة للحمل اللاحق، إعمالا للنص القرآني (والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ...). كل المبررات التي أوردها الشمري منطقية وواقعية، وفوق ذلك فالبرنامج المقترح توعوي اختياري، ولا يتعارض مع الشرع، بل ينسجم معه تماماً، فلماذا رفض المجلس هذه التوصية التوعوية، والتي يحتاجها كثير من الناس الذين لا يعرفون مخاطر الولادات المتلاحقة على النساء والأطفال؟ يبدو لي أن مخاوف المجلس من إقرار توصية كهذه هي مخاوف لا مبرر لها إطلاقا، فتنظيم النسل له إيجابيات كبيرة على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتنموية، وليس له سلبية واحدة فيما أعرف، فهذا التنظيم سيمكن الأسرة من تربية أطفالها بصورة أفضل وأشمل، وفوق ذلك الحفاظ على صحة الأمهات، وكما يعلم الكل، فالأم التي تتاح لها فرصة تربية عدد قليل من الأطفال ستكون هي وأطفالها وأسرتها في وضع أفضل من تلك التي تتورط في ولادة عشرة خلال عقد ونصف - مثلا - فتكون صحتها تردت وتربية الأطفال أيضاً تردت ويمتد التردي إلى الأسرة ثم إلى الوطن. إن المأمول من مجلس الشورى أن يقرأ الواقع جيدا وأن ينظر إلى تعقيدات المستقبل وصعوباته نظرة واقعية، وأن يعيد النظر بتأمل عميق في هذه التوصية التي تطالب وزارة الصحة بحملة توعية لتنظيم النسل، فهذا التنظيم فيه خير كثير للأسر وستنعكس إيجابياته على مستقبل التنمية في الوطن، والمجلس معني بقيادة الناس نحو مستقبل أفضل بوعي وحزم، وليس تكريس باب سد الذرائع المعطل للتنمية.