كرؤية استراتيجية جديدة لبناء صناعات تحويلية ودعم القطاع الخاص في المملكة، جاء مشروع وعد الشمال بثروة تنافس ثروة النفط، وتصنع المستقبل في كل الاتجاهات ويخفف المخاطر في حال الركود في الطلب على الطاقة وهذا أمر محتمل. ومن هذا المنطلق، كثفت الحكومة في السنوات الأخيرة من جهودها لتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط الذي تراجعت مساهمته إلى أقل من نصف الناتج المحلي الإجمالي. ويأتي مشروع وعد الشمال الذي سيتركز حول صناعة الفوسفات ليشكل رافدا كبيرا يعد البلاد بثروة تنافس ثروة النفط. في حفل الشمال وعرسها البهي الشهر الماضي تبشر لوحات إعلانية على طريق سريع عند بلدة طريف الصحراوية الواقعة في أقصى شمال المملكة بمستقبل مشرق فيه مبان بواجهات زجاجية وأحياء سكنية تظلل أشجار النخيل شوارعها، لكنه مستقبل لن يعتمد على النفط السعودي. في الشهر الماضي تجمع عدد من وزراء الحكومة في خيمة قرب تلك المحافظة التي تبعد 1100 كلم عن الرياض و200 كلم عن عرعر لتوقيع عقود لإنشاء مجمع صناعي حول منجم فوسفات وسكة حديدية جديدة تصل إلى ميناء على الخليج العربي باستثمارات إجمالية تقدر بأكثر من ٣٦ مليارا. ويمثل مشروع وعد الشمال جزءا من استراتيجية عامة في أكبر بلد مصدر للنفط لبناء صناعات تحويلية ودعم القطاع الخاص بدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام. ويأتي المشروع في أعقاب الجبيل وينبع وهما مدينتان صناعيتان على ساحل الخليج وساحل البحر الأحمر أنشأتهما الدولة في الثمانينات مع نمو إنتاج البتروكيماويات في البلاد. وتعمل المملكة أيضا على تطوير مدينة الملك عبدالله الاقتصادية قرب جدة والتي تديرها شركة إعمار المدينة الاقتصادية كمشروع للقطاع الخاص بأهداف مماثلة، وهذا المنهج سيساعد على تنويع القاعدة الاقتصادية. وتنويع إيرادات التصدير وسيكون له أثر على التوظيف وإن لم يكن كبيرا. الشيء الوحيد الذي لا يشمله هو تنويع إيرادات الميزانية ولم يكن لجهود تنويع النشاط الاقتصادي من خلال الصناعة في الفترة الأخيرة أثر يذكر على البيانات الرسمية المتعلقة بحجم صناعة النفط مقارنة بالاقتصاد بأكمله إذ إن نمو إيرادات النفط فاق نمو القطاعات غير النفطية. وتظهر أحدث بيانات من مؤسسة النقد العربي السعودي أن صناعة النفط والغاز شكلت 49.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2012 ارتفاعا من 37.7% في 2002 مع تضاعف سعر خام برنت إلى نحو أربعة أمثاله في تلك الفترة. لكن كثيرا من المحللين يتوقعون انخفاض أسعار النفط في السنوات القليلة المقبلة مع زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة وهو ما سيسلط الضوء على فوائد تنويع الأنشطة الاقتصادية. 9 مليارات دولار حجم الاستثمارات التي سيتم ضخها في مشروع وعد الشمال لإنشاء مجمع صناعي حول منجم فوسفات وسكة حديدية جديدة، وقال وزير الاقتصاد محمد الجاسر للصحفيين في طريف إن السعودية بدأت بتصدير النفط الخام ثم انتقلت إلى التكرير ثم جمع الغاز وإنشاء صناعة البتروكيماويات وأعقب ذلك نشاط التعدين واسع النطاق، وأضاف أن صناعات كبرى ترتبط بنشاط التعدين. وكان الجاسر يتحدث في موقع تحيط به الصحراء من كل الاتجاهات حتى تصل إلى الأفق لكنه سيكون عند اكتمال المشروع منطقة رئيسية لإنتاج المنتجات الفوسفاتية ومن بينها سماد الأمونيا والعلف الحيواني والبلاستيك والمنظفات. وقد تتحول شركة التعدين العربية السعودية (معادن) التي تملك الدولة نصف أسهمها وهي أكبر مساهم في المشروع إلى لاعب كبير في صناعة المعادن العالمية على غرار التحول الذي مرت به شركة سابك التي بدأت من الصفر في الثمانينات وأصبحت اليوم من أكبر شركات الكيماويات الصناعية في العالم. وسابك ليست مصدرا سعوديا رئيسيا للصادرات غير النفطية فحسب بل تزود عددا من المصانع في الجبيل وينبع بالمواد الخام. ومما تم رصده في حفل المشروع الشمالي قول وزير المالية إبراهيم العساف لرويترز إن المنطقة ستضم صناعات عدة لها فوائد كثيرة من ناحية التوظيف. ومع اهتمام الحكومة بخلق فرص عمل من خلال مشروع وعد الشمال تخطط المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني لإنشاء معهد جديد في منطقة قريبة لتخريج 300 شخص سنويا للعمل في القطاعات الصناعية. وتتزايد أعداد السعوديين العاملين في المجالات التقنية التي كانت ذات يوم حكرا على الوافدين وهو اتجاه تعمل الحكومة على تشجيعه من خلال تعديل نظم العمل. غير أن شركات كثيرة ما زالت تقول إنها تفضل توظيف العمالة الوافدة التي تقل تكاليفها مقارنة بالعمالة السعودية ولديها خبرة أكبر. وكانت وزارة البترول والثروة المعدنية تتجاهل إنتاج المعادن وظل النشاط على مدى عقود مقتصرا على استخراج الذهب في نطاق ضيق، وأنشأت الحكومة شركة معادن عام 1997 وفتحت القطاع للمستثمرين الأجانب والقطاع الخاص عام 2001. في تصريح مماثل في حفل الشمال قال وزير البترول علي النعيمي للصحفيين إن الاستكشافات لم تكد تغطي السعودية وإن هناك فرصا كبيرة جدا لاكتشاف ثروات معدنية إضافية، وأضاف أن هناك نشاطا كبيرا واهتماما بالثروة المعدنية. وخصخصت الحكومة شركة معادن جزئيا عام 2008 حين طرحت نصف أسهمها في البورصة السعودية واتجهت الشركة إلى مشروعات التعدين الضخمة مدعومة بالبنية التحتية التي تنفق عليها الدولة بسخاء. وكان الدافع وراء إنشاء معادن وغيرها من الشركات التي أقامتها الدولة وعينها على الخصخصة لاحقا هو أن تكون وسيلة لتوزيع الثروة والاستفادة من خبرة القطاع الخاص في مشروعات التطوير. وقد بدأت شركة معادن للفوسفات العمل في 2011 كأول مشروع في المنطقة بالشراكة مع سابك بطاقة إنتاجية تبلغ 11.6 مليون طن سنويا من خام الفوسفات في موقع حزم الجلاميد بمنطقة الحدود الشمالية غرب عرعر ٩٥ كلم لتغذية مصنع لسماد الفوسفات ثنائي الأمونيوم في رأس الخير على ساحل الخليج تبلغ طاقته الإنتاجية ثلاثة ملايين طن سنويا. وفي العام الماضي دشنت معادن ثاني مشروع كبير وهو مشروع مشترك للألمنيوم بقيمة 10.8 مليارات دولار مع شركة ألكوا ومقرها الولايات المتحدة ويتألف من مصفاة للألومينا ومصهر ألمنيوم ومصنع درفلة في رأس الخير. ويستورد المشروع المواد الخام حاليا لكنه في نهاية الأمر سيستخدم خام البوكسيت من منجم البعيثة في منطقة القصيم الذي من المقرر أن يبدأ العمل هذا العام بإنتاج يبلغ أربعة ملايين طن سنويا.وتربط شبكة سكك حديدية جديدة بين منجم الفوسفات في الجلاميد ومنجم البوكسيت في القصيم والمجمعات الصناعية في رأس الخير وقد أنشأتها الشركة السعودية للخطوط الحديدية المملوكة للدولة وسيجري مدها إلى مدينة وعد الشمال. وأنشأت الحكومة الميناء الواقع في رأس الخير وبعض المنشآت الأخرى بينما شيدت معادن محطة للكهرباء وتحلية المياه هناك لتغذية مشروعات الألمنيوم والفوسفات. وسيضيف مشروع وعد الشمال المشترك مع سابك وموزاييك الأميركية إلى تلك المشروعات السابقة منجما في أم وعال قرب بلدة طريف وتسع منشآت صناعية ضخمة. وقالت معادن قبل شهرين إنها حصلت على تعهدات تمويلية من البنوك بقيمة 4.2 مليارات دولار لتمويل مشروع الفوسفات ووعد الشمال وستقدم مؤسسات حكومية ثلاثة مليارات دولار، ومن المتوقع بدء الإنتاج عام 2016، وستمول المؤسسات الحكومية أيضا توسعة شبكة السكك الحديدية والميناء ويحتوي منجم فوسفات الجلاميد على احتياطات بنحو 534 مليون طن وتبلغ الطاقة الإنتاجية المستهدفة قريبا من 5 ملايين طن سنوياً من مركز الفوسفات الجامد من أصل كميات الخام الداخلة للمصنع والبالغة 11.6 مليون طن سنوياً، وبحسب الاقتصاديين، ففي العشرين سنة الأولى تهدف شركة معادن الفوسفات لاستخراج 223 مليون طن وإيصالها عبر سكة الحديد والتي تم تجربتها بنجاح حيث تم شحن أولى كميات الفوسفات لمصنع الشركة في رأس الخير، إلا أن الملاحظ أن السيارات الكبيرة والشاحنات ما زالت تتكفل بعملية النقل من حزم الجلاميد إلى رأس الخير وهو ما يشير إلى ضعف تشغيل قطار الجلاميد. ويتجاوز العاملون في المشروع حالياً 300 عامل وموظف في شركة معادن، علاوة على الموظفين المقاولين، وهذا عدد قليل جدا. بقي القول إن الناس في الحدود الشمالية ينتظرون التنفيذ لمكافحة البطالة التي تزداد في عرعر ومحافظاتها بسبب عدم وجود وظائف حكومية متجددة أو قطاع خاص منتج للوظائف، كما يتطلع الأهالي لربط تلك المنطقة النائية بشبكة القطار وعدم قصر الخدمة لنقل الفوسفات باتجاه الخليج مروراً بالجوف والقصيم والرياض.