الاهتمام بالموارد البشرية وتنميتها لم يكن يوما ما ترفا، بل مصدرا حقيقيا لتكوين القدرات التنافسية واستمرارها، لأنها مصدر الإبداع والابتكار، وتوفر الموارد البشرية وحدها ليس كافيا لضمان تحقيق القدرة التنافسية، إن لم يترافق مع ذلك تنمية القدرات الفكرية لهذه الموارد، ومنحها الفرصة للابتكار والإبداع، ولهذا نجحت بعض الدول في تحقيق الريادة، وفشلت أخرى في تحقيق ذلك.
وفي المملكة، مرت تنمية الموارد البشرية بمراحل عدة، كل مرحلة لها أهدافها وميزاتها، هذه المراحل تأتي تباعا، وكل مرحلة ناتج للمرحلة التي تسبقها، أو متزامنة معها، وهذا الاهتمام مصدره الإيمان بأن تنمية الموارد البشرية عملية مستمرة لا تتوقف عند مرحلة معينة، ويجب أن تستمر وتغير استراتيجيتها، وتعدل مسارها بين الفينة والأخرى، وفقا لمتطلبات المرحلة واحتياجاتها.
وباستعراض بسيط لأبرز ملامح التحديث والتنمية التي خضعت لها الموارد البشرية في المملكة خلال السنوات العشر الماضية، تجد أنها مرت بأربع مراحل متتالية:أولا: زيادة المخصصات المالية المعتمدة لوزارة التعليم كونها اللبنة الأولى والأساسية في بناء الموارد البشرية حتى وصل مجموع ما خصص لها نحو 25% أو ربع الميزانية العامة للدولة سنويا، منها 10% للتعليم العالي قبل دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في وزارة واحدة في يناير الماضي، إضافة إلى تخصيص نحو 80 مليار ريال لمشروع تطوير التعليم العام.
ثانيا: إطلاق برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي الذي انطلقت مرحلته الأولى في 2005، للدراسة في أفضل الجامعات في مختلف دول العالم، لبناء كوادر سعودية مؤهلة ومحترفة، وإيجاد مستوى عال من المعايير الأكاديمية والمهنية، ليصل عدد مبتعثيه في نحو 32 دولة إلى أكثر من 150 ألف مبتعث ومبتعثة، يعود نهاية كل عام دراسي أو مالي آلاف منهم إلى الوطن بدرجات عالمية مختلفة وتخصصات علمية وصحية وطبية وهندسية يتطلبها سوق العمل في مشاريع التنمية الفكرية والعلمية والاقتصادية، وتبنى عليهم آمال كبيرة في قيادة دفة التغيير في الاقتصاد والتنمية، وتحديث المجتمع.
ثم مشروع (وظيفتك بعثتك) الذي تبنته وزارة التعليم مؤخرا، وهو امتداد لبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، مع بعض الاختلاف في صيغته التي تشترط وجود وظيفة للمبتعث قبل البدء في الابتعاث.
ثالثا: إطلاق برنامج المنح الداخلية للطلاب السعوديين للدراسة في الجامعات والكليات الأهلية في المملكة على أن تتكفل وزارة التعليم بدفع الرسوم الدراسية حسب كل تخصص معتمد سنويا وفق الشروط والضوابط، وتستمر المنحة للطالب في حال الحصول على المعدل المطلوب للدخول في المنحة، واستفاد من ذلك عدد من الطلاب الذين لا تمكنهم ظروفهم من الابتعاث أو لم يتمكنوا من الحصول على مقاعد في الجامعات الحكومية في التخصصات التي يرغبونها.
واكتملت مسيرة التحديث هذا الأسبوع بإطلاق برنامج الملك سلمان لتنمية الموارد البشرية الذي يهدف إلى رفع جودة أداء الموظف الحكومي وإنتاجيته في العمل وتطوير بيئة العمل ووضع سياسات وإجراءات واضحة لتطبيق مفهوم الموارد البشرية وإعداد وبناء القادة من الصف الثاني، والذي سيتم تطبيقه على مراحل، تبدأ المرحلة الأولى منه في بداية العام الهجري الجديد على وزارات العدل، والشؤون الاجتماعية، والزراعة، والنقل، والاتصالات وتقنية المعلومات، والخارجية، والثقافة والإعلام، لتقوم بعده وزارة الخدمة المدنية بإعداد تقارير عن نتائج تطبيق مشروع البرنامج المقترح في الوزارات المستهدفة بالتطبيق.
ما أود قوله هنا إن برنامج الملك سلمان لتنمية الموارد البشرية وبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي قد يكونان الأبرز في مسيرة تنمية الموارد البشرية أو الاستثمار في رأس المال البشري، وسيمثلان الانطلاقة الحقيقية في بناء الموارد البشرية القادرة على تحقيق القدرة التنافسية، فبرنامج الابتعاث الخارجي سيمد الوطن بكوادر سعودية مؤهلة ومحترفة، فيما سيعمل برنامج تنمية الموارد البشرية على خلق توازن في الأداء بين القطاعات الحكومية والقطاع الخاص، وتوفير بيئة عملية شفافة تفتح المجال أمام الموظفين للإبداع، وجاذبة للعمل في القطاع الحكومي الذي يعاني من عزوف من قبل خريجي برنامج الابتعاث الخارجي لأسباب تتعلق بالبيروقراطية وضعف الحوافز، ويعاني كذلك من تسرب الكفاءات الإدارية للعمل في القطاع الخاص.
واكتملت مسيرة تنمية الموارد البشرية
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
