لقد حانت ساعة الحسم، ولم تعد الأمور تحتمل الصبر والانتظار، بعد أن تجاوز الخطر كل الخطوط الحمراء، ولم يعد يستهدف قيم المملكة العربية السعودية - وهي غالية - ولا رفاهيتها - وهي مهمة -، بل بات يستهدف وجودها ككيان سياسي وجغرافي ودولة. وأعتقد أن أول خطوة في الاتجاه الصحيح الذي يمكن أن يقود إلى حل، هي الصراحة، والشجاعة الأخلاقية والشفافية في التشخيص، وتسمية الأشياء بأسمائها.
وانطلاقا من هذا دعونا نسأل - بمنتهى الوضوح: من الذي يقف وراء هذه الفتنة؟
الأمور تبدو متداخلة، والخيوط متشابكة إلى درجة الإرباك، الأمر الذي يدعونا إلى العودة إلى جذور وبدايات تأسيس كيان المملكة كدولة، استطاعت أن توحد على يدي المؤسس الرائد الملك عبد العزيز - رحمه الله - وثلة من الرجال الذين تجاوز وعيهم مرحلة التشرذم إلى آفاق التوحيد المستقبلية تلكم القبائل المتناحرة المتحاربة في كيان سياسي، مستعيدا بذلك الوجه المنطقي للتاريخ.
لقد سادت رؤية في الأدبيات التاريخية لمنطقة شبه الجزيرة العربية، وكادت تصبح قاعدة، وهي أن السلطة السياسية في المملكة تقوم على تحالف وشراكة بين فصيلين، يمثل ولاة الأمر أحد جناحيه، بينما يمثل علماء الدين والأئمة جناحه الآخر. وهذا تأويل منحرف لوقائع الأمور.
فعلماء الدين في هذا الوطن منذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - كانوا يمارسون نفس الدور، ولهم نفس الحقوق التي هي من حق أي مواطن في الدولة في الشورى والمناصحة.
وبما أن خيار المملكة العربية السياسي والتشريعي كان دائما هو الصيغة الإسلامية في الحكم والتشريع، ليس لأنه فقط يعبر عن هوية أهلها المسلمين، أو لأنها مستقر بيت الله، ومستودع قبر رسوله الكريم فقط، ولكن لقناعتها بأن التشريع الإسلامي الإلهي هو الأكمل بين تشريعات العالمين، وإلى أن يرث الله الأرض بمن وما عليها، لذا فقد تمتع رجال الدين والعلماء - في كل الأرض - فيها بوضع شبه خاص، إلا أن ذلك كان يتم، ويجب أن يكون، في إطار المساواة والعدالة بين رعايا الدولة. فهذا هو المبدأ الإسلامي الراسخ، ألا يعلو أحد على أحد إلا بالتقوى والاستقامة والإصلاح. هذا من ناحيه.. إلا أن فئة ممن ينسبون إلى هذه الطائفة تجاوزت حدودها حين ادعت لنفسها حقا أكثر من بقية مواطني الدولة، خاصة بعد نجاح حركة الخميني في الجارة الإسلامية إيران، إذ ادعوا لأنفسهم حقوقا أكثر من غيرهم، بل وتوغلوا أكثر في الغلو حين احتكروا لأنفسهم الحق في توجيه سياسة الدولة، وفرض رؤيتهم على رعاياها جميعهم.
هل كان ذلك بتأثير من ثقافة أخرى؟.. ربما. هل كان نتيجة لأطماع وتضخم في (الأنا) ؟.. ربما.
أيا كانت الأسباب، إلا أنهم وفي غفلة من الزمان والناس، وبسبب اللين الذي تعاملت به السلطات المسؤولة معهم، نتيجة إرث قديم وثابت ومستقر يقضي بتوقيرهم وحفظ مكانتهم في المجتمع، باعتبارهم قدوة أفراده، وعاملا مهما من عوامل استقراره، استمرؤوا لعب هذا الدور السياسي، وأصبحوا أوصياء على الناس في هذا البلد، بل وامتدت وصاية بعضهم إلى خارجه.
لقد ارتكبنا خطأ فاحشا حين جعلناهم فوق جميع فئات وشرائح مواطني الدولة الآخرين، وحين جعلناهم المتحدث الوحيد باسم الجميع، وهم في كل الأحوال يعتورهم ما يعتور البشر من ضعف، ويعتريهم ما يعتري الآخرين من ذلك، ويرتكبون ما يرتكب الناس من أخطاء، إلا أنهم وبوضعيتهم تلك التي أكسبناها لهم صاروا في عصمة من المساءلة والحساب.
بذلنا لهم المال الوفير بغية صرفه في المصارف التي حددها الشرع بحسبانهم الأدرى بمصارف شرع الله. وسخّرنا أجهزة إعلامنا بمختلف أنواعها لهم، يتحدثون إلينا، ويتحدثون عنا، وكأننا خرس أو بنا عاهة. باختصار: أخلينا لهم ساحة العمل العام كاملة، وتركنا لهم عقول أبنائنا يزرعون فيها ما شاؤوا، فما زرعوا فيها غير ما يوطد سلطتهم ونفوذهم، حتى صاروا عجينة لينة بين أيديهم يشكلونها كيفما شاؤوا.