في مشهد ثابت وصورة متكررة، تجلس «أم عبدالله» جوار باب مقبرة المعلاة بالعاصمة المقدسة، تفترش قطعة من الكرتون، متكئة على عصاها التي لا تستطيع القيام بدونها.
في صورة محزنة، شاهدة على مرارة الحياة، اجتمعت قسوة الزمن وضعفها وقلة حيلتها، لتبقى القبور خير مؤنس لها من جفاء الوحدة.
تبحث نظرات أم عبدالله عن الأمل، وتنادي بكلماتها التي لا تكاد تفهم، مكمكمة أطراف ثوبها في حياء، لعل أحدهم يجره إحساسه نحوها ويبرهن أن الزمن ما زال يحمل بين طياته الخير الكثير، فربما ريال واحد يسهم في سد جوعها ويكمل القليل من قيمة أدوية أمراضها المتعددة، لتعيش مستورة الحال ما تبقى من عمرها دون أن تشعر بالبرد أو الجوع.
بعد أن ظلت وحيدة في مدينة مترامية الأطراف دون أن يشعر بها أحد، شهدت الأرض على مدى قساوة قلوب من حولها، والتي لا يتجاوز عطفها سوى إيماءة بالرأس أو باليد وقول لاحول ولا قوة إلا بالله، لتبقى أم عبدالله تواجه مصاعب الحياة بعد أن تخلى عنها مجتمعها، إلا أن إحدى الأرامل التقتها ذات مرة وسمحت لها بالنوم ليلا في منزلها المتواضع بالرغم من أنها تعيل تسعة من الأبناء، لتبقى خير شاهد على قسوة الحياة وبشاعة الإنسان.
تلاحق الريال أو الريالين والكل ينظر لها على أنها مجرد متسولة، وبالرغم من كبر سنها الذي تجاوز الثمانين عاما، طويت فيها صفحات ماضيها، وهي تخفي قصص السنين التي غلفت بالعذاب، وخط على كتاب حاضرها الأسى، ومحا كل لحظات الجمال التي ضحكت منها، وجدت أم عبدالله نفسها بين عالمين أحلاهما مر، إما متاهة الأحياء ليلا أو جيرة الأموات نهارا.
أحياء يستأنسون بالأموات
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
