لا شك أن الأنظمة التي تبنى عليها الأحكام الإدارية هي بحر زاخر من القوانين والتشريعات التي استمدت مادتها من دراسات مستفيضة وتجارب دول متعددة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فنحن لا نعيش بمفردنا في هذا العالم ولدينا مصالح مشتركة مع كثير من الشعوب والمجتمعات في شتى بقاع الأرض، ومن الطبيعي أن تكون هناك قوانين تحكم هذه التعاملات وتحسم حالات النزاع عند وقوعها بين أطراف العلاقة، وبالتالي فإننا لا نستغرب هذا التطور الهائل في القضاء الإداري السعودي، وإذا كانت المحاكم الإدارية لدينا تبذل قصارى جهدها في البت بالقضايا المتعددة بإصدار الأحكام المتعلقة بالدعاوى التي تنظرها من خلال دوائر متخصصة إلا أنه من الملاحظ أن هناك تفاوتا في سرعة وقوة تنفيذ هذه الأحكام حال صدورها، ففي حين نرى أن الأحكام الجزائية في قضايا التزوير والرشوة هي الأسرع في التنفيذ نرى في المقابل أن هناك نوعا آخر من الأحكام أقل سرعة في التنفيذ وهي الأحكام التي تصدر في قضايا الخلاف التجاري وما شابهه، وربما يكون مردود هذا التأخير لإجراءات التنفيذ الروتينية والبيروقراطية في التعامل مع سير المعاملات وهو تأخير مقبول ما دام هذا التأخير في حدود المسموح به عادة.
ثم تأتي بعد ذلك المعضلة الأساسية في النوع الثالث من الأحكام والمتمثلة في تنفيذ الأحكام الإدارية المحضة الصادرة للأفراد ضد المؤسسات الحكومية، فإذا كانت أقسام الشرط والحقوق المدنية هي من ينفذ النوع الأول والثاني من الأحكام يبقى النوع الثالث يعاني فراغا تشريعيا في آلية التنفيذ والمرجعية المحددة والواضحة المنوط بها هذا التنفيذ، وقد يكون إغفال المشروع لتحديد هذه الجهة وجعلها من مهام المؤسسات الحكومية الصادر ضدها هذه الأحكام هو من باب عدم تصور امتناع هذه الجهات عن التنفيذ ومن باب التقدير المعنوي لهذه الجهات في عدم إرغامها قسرا على تنفيذ الحكم، خصوصا إذا علمنا أن المادة الحادية والعشرين من نظام التنفيذ تنص على عدم جواز إيقاع الحجز على الأموال المملوكة للدولة، ولا أخفي سرا أنني ممن عانى كثيرا ولا زلت أعاني من تنفيذ مثل هذا النوع من الأحكام! فبعد سنوات من المرافعة في المحكمة الإدارية وصدور الحكم النهائي المختوم بصيغته التنفيذية بدأت المعاناة الحقيقية في تنفيذ هذا الحكم بين مماطلة المسؤول واختلاق الأعذار ومحاولة التعطيل بأي صورة كانت وبأكثر من طريقة، حتى امتدت المطالبة إلى عدة سنوات وتشعبت إلى أكثر من جهة ولكن دون جدوى، وإذا كان المشروع قد جعل تنفيذ الحكم في يد مسؤول الدائرة الصادر ضدها الحكم فأعتقد أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء هذه المعضلة: السبب الأول عدم وجود عقاب رادع للمسؤول الذي يمتنع عن تنفيذ الحكم خلال فترة محدودة، وقديما قالوا من أمن العقوبة أساء الأدب.
والسبب الثاني أن هناك نوعا من المسؤولين يعاني من نقص مركب ويجدها فرصة في إثبات وجوده من خلال تحدي الأحكام الشرعية والإدارية الصادرة ضد إدارته والامتناع عن تنفيذها.
والسبب الثالث وجود فساد إداري ومالي ومحاولة لاستغلال السلطة إما للإضرار بصاحب الحق أو للوصول لمصلحة شخصية غير مشروعة من خلال هذا الامتناع، إن ما يضعف إجبار المسؤول على تنفيذ الحكم عدم تصور تطبيق الإجراءات الاعتيادية التي تطبقها دوائر التنفيذ بحق الأفراد من قبض وتوقيف وتعطيل مصالح، وبالتالي كان لا بد من اللجوء لجهة لديها أدوات تحديد ومعاقبة المسؤول الممتنع وهي هيئة الرقابة والتحقيق إلا أن دورها للأسف ما زال ضعيفا في هذا المجال رغم مطالبة العديد بتفعيل هذا الدور باعتبار أن امتناع مسؤول الدائرة عن تنفيذ الحكم هو إخلال بمهام وواجبات وظيفته وهو من صميم اختصاص الهيئة، غير أن الإشكالية تبقى في نجاح المسؤول الممتنع في إقناع مراقب الهيئة بالأسباب الوهمية التي اختلقها لتعطيل الحكم ومن ثم الدخول في دوامة البحث عن حل للمعضلة من جديد.