عندما قرأت على صفحات هذه الجريدة خبر مقتل أحد المستشارين الشرعيين لداعش وهو شاب من مدينة أبها، أيقنت أن هؤلاء يطالهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أخبر عن أقوام يخرجون في آخر الزمان صغار الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.
وإذا كان تنظيم داعش يعتمد في رؤيته الشرعية على شباب صغار ليس لهم من العلم إلا قيل وقال، دون عقول حكيمة تتأمل، أو قاعدة علمية تستطيع النظر في القول وتحقيقه على الأرض والواقع والمناط، ودون امتلاك لآلات العلم التي تخوله بالفتوى في الدماء والأعراض، القضية التي فر منها أئمة السلف لأنها مزلة أقدام تهوي بصاحبها في الدنيا والآخرة، فإن ذلك يدل على أن تنظيم داعش كتلة من الخطل والجنون والجهل والبدائية العقلية والسياسية، ويدل على أنهم مجموعة من الرعاع والهمل الذين تستفزهم أصوات الناعقين، وتجمعهم هتافات المدعين.
ولكن التساؤل موجه إلى الجامعة التي خرج منها والمجتمع العلمي الذي تتلمذ عليه، محاضر في جامعة الملك خالد بأبها، أي أنه خارج من مجتمع علمي أكاديمي يفترض أن يتسم أصحابه بالعلم والروية والإدراك والاعتدال، لا بالإرهاب والقتل والتنظير لسفك الدماء وانتهاك الأعراض!
ولو أنه الحالة الفريدة لقلنا النادر لا حكم له، أما أن يخرج هو ومعه غيره من مدينة واحدة أو منطقة واحدة، فهذا يحدث تساؤلا عريضا عن واقع تلك المنطقة علميا وفكريا ودعويا، لا سيما وقد خرج من هذه المنطقة أشخاص اتهموا في أحداث 11 سبتمبر، وظهر عدد غير قليل منهم في عدد من القضايا الإرهابية كمحاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف التي قام بها العسيري وله أخ كان مسؤول المتفجرات في تنظيم القاعدة في اليمن، ومنهم من شارك في بعض تفجيرات الرياض في العقد الماضي، ومنهم كثير مع طالبان ومع القاعدة ومع داعش! وهو موجود في مناطق أخرى ولكنه في منطقتنا بات لافتا للأنظار مما يوجب على المعنيين أن يبحثوا عن أسباب ظهور أمثال هؤلاء والتيارات الفكرية التي أخرجتهم، وخصوصا ممن ينتسبون إلى الوسط الأكاديمي والعلمي! ولا تزال الأيام تحمل مفاجآت مثل هذه.
وأنا أخص بهذا الحديث الوسط الديني والعلمي، وإلا ففي داعش مئات من جميع التخصصات لا يستغرب منهم الانجرار وراء الفتن وخلف كل ناعق دعي لجهلهم بأساسيات الدين فضلا عن مسائل الجهاد والسياسة.
تدعونا مثل هذه الأحداث إلى إعادة النظر في التركيبة العلمية والصياغة الذهنية في المدارس والجامعات من الابتدائية إلى الجامعة، بل إن في الدكتوراه والماجستير ما يصنع من الدارسين عقولا مفخخة ومشاريع تكفير! ومن أراد التأكد من ذلك فلينظر إلى عناوين الرسائل الجامعية في أقسام الكليات الدينية، مئات الرسائل تتحدث عن عقائد الأئمة من أهل السنة والجماعة، وتقدح فيهم وتنسبهم إلى البدعة والضلال، ولم تترك إماما مشهورا من أهل السنة ليس على مذهب هذه الجامعات والتيار السلفي إلا ووضع على طاولة التشريح والقدح على أيدي صغار الأسنان، بتوجيه من كبار الأسنان المشرفين على الرسائل أو مسؤولي الأقسام أو الأساتذة في القسم، ناهيك بالقدح في عقائد من ليسوا من أهل السنة وتكفيرهم.
عقيدة السيوطي، عقيدة القرطبي، عقيدة الشهرستاني، عقيدة الماوردي، عقيدة الزمخشري، عقيدة الرازي، عقيدة المعتزلة، عقيدة الأشاعرة، عقيدة الماتوريدية، عقيدة الإباضية، الانحراف العقدي عند فلان، فضح عقائد الفرقة الفلانية، والجماعة الفلانية!... إلى غير ذلك من مئات الرسائل الجامعية للماجستير والدكتوراه، ومن أراد أن يتحقق فلا يذهب للجامعات حتى يمر على إحدى المكتبات وينظر ماذا فعلت جامعاتنا بأبنائنا.
في إحدى المناقشات لرسالة ماجستير في موضوع يتعلق بالغذاء والطعام في القرآن وليس له علاقة بعقيدة أحد قبل عدة سنوات، تقدم الدكتور المناقش بملحوظاته على الطالب بأنه استشهد بالقرطبي والغزالي والشهرستاني وأمثالهم في رسالته وكان اعتراضه أن كيف تسمي هؤلاء أئمة وتستشهد بهم وتمدحهم وهم من المغموزين في عقيدتهم وأغلبهم أشاعرة! فرد عليه الطالب الباحث قائلا: ماذا أفعل إذا كان تسعون في المئة من المفسرين أشاعرة والباقي من الفرق الأخرى.
ثم كانت النتيجة أن منحه أقل من عشرين من المئة لدرجة الماجستير! ومنحه المشرفان الآخران تسعين درجة من المئة، وبعد محاكمات وشكاوى لمدة عام وصلت إلى المقام السامي ومنح الطالب درجة التسعين وألغيت درجة المناقش بغلوه وتعسفه، وهذه الحادثة وقعت في جامعة الإمام بالرياض قبل عدة سنوات وأعرف كثيرا من تفاصيلها.
البحث والتنقيب في عقائد الناس والتعامل معهم على أساسها هو منهج خارجي بامتياز، والذين يذهبون مع داعش والنصرة وفرق الخوارج الأخرى لديهم استعداد نفسي وذهني لا سيما إذا كان ممنهجا على أيدي مشايخ من هذا النوع أو في أروقة الكليات الدينية.
على وزارة التعليم ممثلة في قائدها المفكر والأديب والشاعر الأمير خالد الفيصل ألا تنتظر أو تتردد في إعادة صياغة الذهنية والتركيبة العلمية للطلاب، وأن تصنع جيلا محافظا على دينه محبا للآخرين متسامحا مع كل البشر إلا مع عدو يحمل علينا سلاحا أو يهدد ديننا أو بلادنا، أما غير ذلك فلا مكان للكراهية والتكفير والقدح في عقائد الناس، هذا إذا أردنا جيلا يتعايش مع العالم ويعرف أن للناس عقولا تفكر بها ومقاصد تبتغيها من ربها حتى لو أخطؤوا في التصور والفهم والاعتقاد.
والحديث موجه إلى معالي وزير التعليم العالي كذلك، فالتعليم العالي هي المرحلة الفاصلة للعقليات التي تصنعها الدراسة الأولية ويصنعها المجتمع بما فيه من منابر ووسائل إعلام وتجمعات دعوية، وترك القضايا العلمية وتحقيقات التراث والتنقيب في عقائد أكابر العلماء في أيدي مجموعة من الشباب على ما فيها من ضعف وقلة بضاعة أمر تأذت منه مجتمعات، وأخرج من أمثال المفتين والمستشارين الشرعيين للتنظيمات المجرمة التي يبرأ منها الله والإسلام وتبرأ منها العقول والإنسانية والفضيلة.