كتبت مقالا نشر هنا في 28 نوفمبر الماضي تحت عنوان “ماذا يعني تراجع أسعار النفط لأمد طويل؟”، قبل إعلان الميزانية العامة بنحو شهر، خلص المقال في النهاية إلى أن الدولة قد تواجه في المستقبل تحدياً كبيراً في تدبير نفقاتها المرتفعة، وأن الاحتياطات المالية الكبيرة ستؤمن غطاءً موقتا للنفقات العامة، وستتآكل جراء ذلك، وستقل فرص إنشاء الصندوق السيادي، وسيعود العجز في ميزانيات الأعوام المقبلة، وقد يعود توقف الدين العام للارتفاع مجدداً في حال رأت وزارة المالية الاقتراض لتغطية عجز الميزانية مستفيدة من انخفاض أسعار الفائدة.
كما تطرق المقال إلى أن التأثير السلبي لتراجع أسعار النفط سيمتد لأهداف خطة التنمية العاشرة، التي تسعى إلى الاستثمار الأمثل في الموارد السكانية، ورفع المستوى المعيشي، وتحسين نوعية الحياة لجميع فئات المجتمع وتنمية الموارد البشرية ورفع إنتاجيتها، وتوفير فرص العمل الملائمة والكافية للعمالة الوطنية، وتيسير حصول المواطنين على السكن الملائم، والارتقاء بالمهارات والقدرات الإنتاجية للعمالة الوطنية، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة وأساليب الإنتاج المتطورة لزيادة المحتوى التقني للمنتجات الوطنية وتحسين تنافسيتها محلياً وعالمياً، وتعميق التنويع الاقتصادي بأبعاده المختلفة، والتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة.
وعرقلة تراجع أسعار النفط لمشاريع التنمية الحيوية أمر حتمي، كما أنه سيعطل الكثير من أهداف التنمية في المستقبل القريب، لأن الإنفاق الحكومي المرتفع لن يستمر في مستوياته الحالية في حال استمر تراجع أسعار النفط طويلاً، وبقي الغموض وعدم التكهن يكتنف مسارها المستقبلي، إذا ما علمنا أن خطط التنمية تعتمد بشكل مباشر على عائدات النفط التي تؤثر بدورها في الإنفاق العام، ومساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي تعتمد على حجم الإنفاق الحكومي.
وفي غمرة الانشغال في الجدال الدائر بين مؤيدي تأسيس الصندوق السيادي ومعارضيه، تحدث وزير الاقتصاد والتخطيط الدكتور محمد الجاسر حول تأثير انخفاض أسعار البترول على خطة التنمية، والذي ألمح فيه إلى أن خطة التنمية قد تتم مراجعتها، وتعديلها في الفترة المقبلة إذا ما دعت الحاجة لذلك، وأن وزارته تراجع سنوياً خطة التنمية بخلاف ما كان معروفاً في السابق كل خمس سنوات، ومر هذا التصريح دون أن يثير أي جدل حوله، رغم أنه يخالف كل أساسيات خطط التنمية التي يفترض أن يكون المبدأ الأساسي عند وضعها هو الاستدامة، وأن لا يعتمد مسار التنمية على عوامل آنية بعضها خارج سيطرة الحكومة، وأن تكون الخطة قابلة للتنفيذ بغض النظر عن تغير الظروف المحيطة بها، لأنها تتضمن مشاريع استراتيجية وتنموية لها عائد اقتصادي واجتماعي، ولها دور في خلق فرص وظيفية للمواطنين، وتحسين الخدمات العامة التي تقدم لهم، وتحقق مطالب الرفاه الاجتماعي.
وهذا التصريح الذي جاء ليضيف خمس أعوام جديدة لـ45 عاماً مضت دون أن تحقق خطط التنمية أهدافها الموضوعة، لا يمكن أن يمر دون التعرض له بشيء من التحليل والنقد، فالحديث عن التنمية يعني الحديث عن مستقبل وطن وأجيال، لأنها تقرأ الحاضر، وتستشرف المستقبل، وتعمل من أجله.
وتحليلياً يمكن تصنيف تصريح وزير الاقتصاد والتخطيط تحت واحد من ثلاثة احتمالات أتمنى كمواطن غيور، أن يكون الاحتمال الثالث غير صحيح ومجرد حدس خالف الصواب، وأن يبقي ذلك التصريح في دائرة البندين الأول والثاني.
أولاً: يمكن اعتبار هذا التصريح إيجابيا رغم مخالفته قواعد الاستدامة لخطة التنمية، إذا كان يعني أن خطط التنمية مرنة، وقابلة للتعديل، وتستجيب للمتغيرات والظروف الطارئة، بما يضمن تحقيق أهدافها، وأن لا ينتج عنها تعطيل لأي هدف من أهداف التنمية.
ثانياً: يمكن تصنيفه في مرحلة الشفافية غير المعهودة من قبل الوزارة حول خطط التنمية، الذي لم يكن هناك صدق وشفافية حول نتائج تنفيذها في الأعوام السابقة، وما تضمنته من نجاحات وإخفاقات في ظل الأهداف الموضوعة، وسياسات تنفيذها.
ثالثاً: يمكن إدراج هذا التصريح تحت بند التبرير الاستباقي لما قد يحدث في المستقبل، وإلقاء اللوم في عدم الوفاء بأهداف خطط التنمية العاشرة على أسعار النفط الخام، رغم أن تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط كمورد رئيس للميزانية هدفاً رئيساً لم يغب طوال 45 عاما عن قائمة أهدافها الاستراتيجية.