سعْيُ العالم منذ فترة للقضاء على ظاهرة البادية هو ما أوقعه في فخّ العجز عن معاندة الطبيعة، والجري وراء توطين “البدو” السعيدين بباديتهم وطبائعهم أو تضييق المساحات أمامهم فيه هضمٌ لحقوق الإنسان الذي خلقُه الله طليقاً حرّاً.
ليسَ خطأً أن قصَد ابن خلدون في قوله بأنّ التمدّن من طبيعة البشر، ولكنّ الخطأ أن تكون المدنية والتمدّن مفروضة على الناس، والخطأ أن يرسوَ على السّطح اعتقادٌ بأنّ مؤسسات المجتمع المدني الهاربة من “غول” المدنية تعني أن لا مؤسّسات للمجتمع البدوي.
وكلّ القارئين للتاريخ وجدوا بأن الإنسان مع أخيه الإنسان يستطيع تكوين أنظمة مؤسّسية دونَ أن يكونَ في مدينة والواقع يشهدُ لذلك في كثير من الأنظمة العفوية لدى أهل البادية والأرياف، ولو كانت على شكل أعراف وتقاليد تفرضها ظروف وأحوال.
مؤسّسات المجتمع البدوي بدَتْ لي أكثر تماسكاً والتزاماً بتنفيذ إجراءاتها من مؤسّسات المجتمع المدني حين ننظر في الممارسات.
أينَ هي مؤسّسات المجتمع المدني من المشكلات التي يعاني منها الفقراء ويشتكي منها المهمّشون ويسكنُ تحت نيْرِها الكادحون في كلّ العالم؟ بينما في المجتمع البدوي لا يزالُ التعاون على البرّ والتقوى قائماً حتى يومنا هذا ولا يزالُ الأخذ بيدِ الضعيف قاعدة صارمة لا يمكنُ لأحدٍ أن يتعدّاها حتى الآن.
ما يعنينا في هذا الاختلاف هو أن تُترَك الأمور لتُظهِرَ الفرق وتُتْركَ الأنواع لتتمايَزَ بينَ بعضها بعضا دونَ تدخل انتقائي، وأن تخدم مؤسّسات المجتمع المدني مدن المجتمع وباديته لا أن تكون ذات اسم مع ضعف مدلول.
في القارة الهندية نشأَ “بنك الفقراء”، وفي أقصى الجنوب الشرقي الآسيوي نشأ “أعظم اقتصاد للنمور”، وفي دول “البلقان” الفقيرة نشأت مؤسسات أخذت عنها أوروبا أفكاراً رائدة، وفي “الوسط الأفريقي” راجَتْ ظاهرة الاتحادات والروابط التي انتهجتها مجموعة الثماني، وفي الجزيرة العربية من الصحاري والبوادي ما يزخَرُ بأنظمة اجتماعية واقتصادية وسياسيّة تفوق في أدائها ميثاقَ الأمم المتحدّة، وفي فيافي “شنقيط” بالغرب الأقصى ما يثلجُ الصدر من مؤسّسات للمجتمع البدوي تستحقّ شهادة الجودة، ويكفي أنّ في ديننا ما يفي بالغرض باديةً وحاضرة.
في البادية إكرامُ الضّيف مؤسّسة للمجتمع المدني بامتياز، وغضّ البصر واحترام الكبير مؤسّسة للمجتمع بلا منازع، واجتماع القبيلة لحلّ خلاف مؤسّسة للمجتمع يطغى عليها الانصياع للحكم بعد المداولة والمشاورة، وقرارات الرحيل أو البقاء في نفس الموقع تُناقشُ في مؤسّسة للمجتمع البدوي من أعيانه والحكم ملزم للجميع صغيراً وكبيراً امرأة ورجلاً، حتى تقاليد الزواج والطهور وإجراءات العقاب، كلّها مؤسّسات للمجتمع وإن لم تُكتَب.
مؤسسات المجتمع البدوي
محمد أحمد بابا2 دقائق للقراءة

حجم الخط
