مئة عام هجري مضت على ولادة عبدالله عبدالجبار الذي فسح له الله تبارك وتعالى أن يعيش منها ستة وتسعين عاما، في حياة، هي إن تأملناها، ضرب من الجهاد الثقافي، نذر فيها هذا المربي والناقد والمثقف الكبير حياته لمعاني النهضة والاستنارة والتقدم.
كان بإمكان عبدالله عبدالجبار أن يتبوأ وظيفة لها شأنها في مجتمعه، بعد أن ظفر بالشهادة الجامعية، في مجتمع تغلب عليه الأمية، وكان بمقدوره أن ينعم بذلك كما نعم أقران له، فيستنيم إلى خفض في العيش، ويعب من مباهج الحياة، وإذا أراد أن يحفظ لنفسه موضعا في الأدب والثقافة، فليسر في طريق موطأ، وليختر من الكلمات أنعمها، ومن الأفكار ما يسيغه مجتمعه، ولا يجلب له هما ولا يبعث في الناس سؤالا.
لكن عبدالجبار لم يرد في حياته إلا أن يكون معلِّما، ولم يرد لنفسه أن تجوز به خارج هذه المهنة التي تكفل له اتصالا بالناس، وأن يصل ما انفسح له من الثقافة والمعرفة بما يحيي المجتمع، ويخرج به عما اطمأن إليه في غابر السنين، وكان أظهر ما تخلص إليه الفصول التي أنشأها، والكتب التي وضعها، ذلك الإيمان الملتهب الذي يتبدى في فقراتها وفصولها، بالإنسان حرا كريما، ودونك ما أخرجه الرجل من مؤلفات، فلن تظفر فيها إلا بما يوافق هذا الإيمان الذي ينساب في نقده وقصصه وفصوله التي أذاعها في الصحافة.
لو اتفق أن بلادنا تحتفل بالمئويات لكنا اليوم نتهيأ للاحتفال بمئوية مثقف كبير في بلادنا، ولاستعدْنا قيما ومعاني نحن في أشد الحاجة إليها اليوم، ولكننا ألفنا أن تعْبر بنا أحداث لها شأنها وخطرها في ثقافتنا، دون أن نعيرها كثيرا ولا قليلا من الاهتمام، ويعجب المرء منا، وهو يمد نظره إلى هذا البلد العربي أو ذلك، كيف لا يحملنا اهتمامهم بمثقفيهم وأدبائهم وفنانيهم وعلمائهم على أن نهتم، ولو بعض الاهتمام بأسماء نحسبها، ونحن محقون، رأس مال لهذه البلاد، وربما كان من أيسر علامات الشكر أن نستذكر جهادهم من أجل الاستنارة والنهوض والتقدم.
هل أطلب مستحيلا؟ ربما!
مئوية عبدالله عبدالجبار
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
