أعلنت وزارة التعليم عن سحب 80 كتابا من مكتبات التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، هذا الإعلان أحدث دويا صاخبا امتد أثره إلى الصحف الخارجية والقنوات الفضائية، وذهبت التفسيرات في تحليل سبب هذا الإجراء مذاهب شتى، فبعضهم فسره على أنه إجراء سياسي، ومحاولة للتقرب من النظام الحاكم في مصر، وبعض آخر فسره على أنه محاولة لتبرئة السلفية من التأصيل للإرهاب وإلصاقها بالإخوان، وبعض ثالث فسره على أنه استراتيجية جديدة لملاحقة الإسلاميين الحركيين للتقرب من الغرب.
والقصة في حقيقتها غير ذلك كله، إذ إن هذا إجراء روتيني من وزارة التعليم اعتادت على ممارسته في كل سنة تقريبا، إذ ترسل للمدارس بين الفينة والأخرى تعميما، وبين يدي كشف لبعض التعميمات التي أصدرتها وزارة التعليم في هذا الأمر على امتداد 36 سنة من عام 1388 إلى عام 1424، وهي (428 تعميما).
والإجراءات المطلوبة في تلك التعميمات تختلف، فيغلب على تلك التعميمات طلب سحب كتب، وأحيانا يطلب التعميم شطب بضعة أسطر من صفحات كتاب ما، أو شطب كلمة أو كلمتين، أو نزع صفحات من كتاب، أو طمس صور في كتاب، ويغلب هذا الإجراء إذا كانت صورا لأنبياء، أو صحابة، أو علماء مشهورين، أو كانت صورا لنساء.
وبعض من الكتب المسحوبة لمؤلفين سعوديين، مثل: (أصول التربية الإسلامية) لسعد الجنيدل 1420، و(الأمثال الشعبية في قلب الجزيرة العربية) لعبدالكريم الجهيمان عام 1424، و(اللقاط بن اللقاط) للجهيمان 1402، و(خواطر مجنحة) لمحمد حسن زيدان عام 1424، و(النهج المحمدي) لعبدالعزيز المسند عام 1398، ومنها كتب تراثية، مثل: (البيان والتبيين) للجاحظ، و(طبقات الشعراء) لابن المعتز، و(الأذكياء)، و(الحمقى والمغفلون) لابن الجوزي، و(تفسير الجلالين) للسيوطي.
ويغلب على الكتب المسحوبة أن تكون كتبا عليها ملحوظات عقدية، أو كتبا فيها ثناء على الحضارة الغربية، أو تمجيد للقومية العربية، أو مخصصة للطرائف المضحكة، أو فيها تناول لقضية الجنس، أو تكون قصصا فيها خيال وأساطير.
ولا شك أن وزارات التربية والتعليم في العالم كله تمارس الرقابة على الكتب التي تكون بين يدي التلاميذ؛ لتكون منسجمة مع الأهداف التربوية التي تسعى الوزارات لتحقيقها، لكن بالنسبة لوزارة التعليم لدينا يتضح أن سحب الكتب من مكتبات المدارس غير خاضع لتقويم تربوي مبني على ضوابط علمية صارمة، بل الأمر خاضع لملحوظات المعلمين على تلك الكتب، وهو تقويم خاضع لمستوى المعلم من الناحية العلمية، وتوجهه الفكري، وسعة إدراكه، وبيئته التي نشأ فيها، بدليل وجود تعميم في 26 محرم 1424 يطلب طمس كلمة (جوقة موسيقية)، و(الآلات الموسيقية) من قصة (عرس لطيف) لنجاة القصاب.
هذا فيما يخص التعميمات التي تطلب سحب كتاب أو كتابين، وأما في ما يخص التعميمات التي تشمل قائمة واسعة من الكتب فغالبا ما تكون استجابة لتوجيه من الحكومة، لكن التنفيذ قد لا يكون دقيقا، ومثال ذلك التعميم الأخير الذي طلب فيه سحب 80 كتابا، فالهدف المعلن هدف تربوي نبيل، وهو حماية التلاميذ من التأثر بفكر التطرف، لكن التنفيذ خضع لتقويم خاطئ لبعض الكتب المطلوب سحبها، فمن الكتب التي وردت في التعميم الأخير سحب كتب مالك بن نبي، وهو مفكر مستقل غير منتم لأي تنظيم حركي، وأفكاره على النقيض من فكر التطرف، وكطلب سحب كتاب يوسف القرضاوي (الحلال والحرام في الإسلام)، وهو كتاب فقهي ينحو منحى التيسير الذي أحوج ما نكون إليه اليوم.
وعلى افتراض أن كل الكتب المسحوبة تدعو للتطرف، فإن الإعلان عن السحب الأخير في وسائل الإعلام فيما يشبه الاحتفال، - وهو ما يخالف سياسة الوزارة في تعميماتها السابقة على امتداد عشرات السنين - ستنتج عنه سلبيتان، الأولى: الإيحاء للتلاميذ أن خير وسيلة للتعامل مع الفكر المخالف هي المصادرة والمنع، وهذا ما يربي لديهم عقلية الإقصاء والرفض لأي فكر مخالف لما يعتقدونه، وعقلية الإقصاء والرفض هي الأرضية المناسبة لتقبل أفكار التطرف والإرهاب.
والسلبية الثانية: الإعلان بأن المقصود بالسحب بعض الكتب لمؤلفين منتمين إلى بعض التنظيمات الحركية، واتهامها بأنها تدعو للتطرف والعنف سينتج ردة فعل من تلك الحركات، وذلك باتهام دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بأنها هي منبع التطرف، وطرح دراسات في هذا الاتجاه، ولدى تلك الحركات وسائل إعلامية، وعلاقات بوسائل الإعلام الدولية، وباحثون في بعض مراكز البحوث المرموقة في الغرب، ولهم جمهور واسع في العالم الإسلامي كله.
وكم كنت أتمنى أن نبعد التربية والتعليم عن مثل هذه الاستعراضات الإعلامية التي قد تكون نتيجتها عكس ما تريد الوزارة من تلك التعميمات.