رواية آسرة، فيها براءة مدهشة لا تدري من أين تأتيك للوهلة الأولى، وفيها شجن إنساني يتكاثر عبر جمل سردية لا ادعاء فيها.
مرثية سردية كبرى للمكان وللبشر أحكم سعود الصاعدي بنيانها.
تقرؤها مرة فتصدقها، وتقرؤها ثانية فيزداد تصديقك لها.
تستولي عليك لتبدأ بعدها البحث عن الأسباب الخفية لكل هذا في تلافيف العالم التخييلي.
«الساحلي» هي رواية الصاعدي الثانية بعد روايته الأولى «ساعة الرمل»، تجاوز فيها كل مزالق الكتابات الأولى فجاءت أكثر إحكاما وأشد تأثيرا، كل الطرق فيها تؤدي إلى السارد، لا يمكن تجاوزه والقفز فوق أكتافه لنطل على عالمه التخييلي ونتجاهله.
وتفقد الرواية كثيرا من براءتها وشجنها لو تم سردها على غير الطريقة التي أتت عليها، لا أقصد بالسارد هنا سعود الصاعدي نفسه، هذا أمر تجاوزته نظرية الرواية الآن، وأصبح مستقرا أن من يحكي الرواية ليس هو تماما الشخص المكتوب اسمه على الغلاف.
ما أقصده هو هذا الوعي الكلي الذي يمسك بكل خيوط الحكي ليقودها إلى مصيرها المحتوم، أكبر مما تسميه السرديات بوجهة النظر.
فهو الطريقة التي يتم بها النقل في الحالتين والكيفية التي يمسك بها السارد -سواء كان سردا بضمير المتكلم أو بضمير الغائب- بعناصر العالم التخييلي وتفاصيله الصغيرة، واللغة التي ينقل بها، والأكثر أهمية هو موقفه العاطفي والفكري، وشكه أو يقينه إزاء قضايا عالمه التخييلي.
وإذا كان مبدأ «السرد مقابل التعاطف» من مبادئ الحكي الأساسية، فإن وعي السارد بعالمه أحد المداخل الكبرى لاستجلاب هذا التعاطف.

