أعان الله وطني الحبيب، وموئل عزتي، والذي كان يأمل في اكتمال رخاء رحلتي الشتاء والصيف، والتمكن بحب وسلام وبحبوحة من نيل بلح الشام وعنب اليمن.
كل ذلك يوم أن كان للتاريخ عقل، ويوم أن كان للبشر أخلاق ووفاء، وللحكام واعز من ضمير؛ ولكن معطيات العصر تتغير، والجشع يتكاثر، وسماسرة الدم يزدادون سُعارا، وقطاع الطرق الملتوية يتكأكؤون على قوافل السلام كتكأكئهم على ذي جنة.
بلادنا كانت وستظل دوما الشجرة الوارفة المثمرة، يشبع من ثمارها البعيد قبل القريب، رغم أن بعضهم يهزها بعنف ويقذفها بالحجارة، ويحسب ثمارها بلا صاحب، فلا حمد، ولا رد للجميل.
في كل أزمة عربية، أو عالمية كانت أول من يبادر، وأسخى من يهب، وأطيب من يعف ولا يمُن.
وقد كانت ميزانيتها تراوح بين قمم السروات، وبين منخفضات تهامة، وحسب نوعية الحدث العالمي، وحسب قربنا وبعدنا عن مركزه.
وكم مرت على ميزانيتنا سنوات عجاف عانت فيها مملكتنا كثيرا، بداية بحرب تحرير فلسطين، ثم ما أعقبها من حرب عبدالناصر على اليمن، والتي طالنا منها الكثير من الأذية والعناء.
وأعقبها دخول بلدنا في منعرجات وأزمات طويلة وضرر من حرب 67، ثم بمشاركتنا في حرب أكتوبر العبور وتحرير سيناء.
وعانت الموازنة كثيرا في حرب لبنان الطويلة، وانتقلت بعد ذلك إلى حرب العراق مع إيران، وكذلك في حرب روسيا في أفغانستان، ولم تكد الميزانية تلتقط أنفاسها، حتى بدأ غزو الكويت، وتحريرها، وأزمة الحدود مع اليمن؛ ومن ثم حرب العراق المستمرة إلى يومنا.
ميزانية كانت تشفط كل خيراتنا، وتحاول أن تطول الاستقرار، ولكنها تجد مؤشراتها بين المراحل العسيرة في تحديات وتذبذب.
وبعيدا عن مساعدات المملكة لعدد من الدول العربية والإسلامية بشكل دائم، والتزامها بنصرة ومساعدة الشعب الفلسطيني، على مدى أزمته الطويلة، إضافة إلى التدخل الرحيم في كل أزمة إنسانية تحدث على سطح الكوكب الأرضي، فكانت الميزانية لا تعرف الهدوء، ولا الرؤية البعيدة.
ومؤخرا دخل العالم في حربه ضد الإرهاب، ودخل الشرق الأوسط في أزمة الربيع العربي، وأزمات التدخل الإيراني، لتجد بلادنا نفسها مجبرة على التدخل والمساعدة.
حقيقة، لن يدهشنا أي أرقام تصدر في الموازنة القادمة، والتجارب تثبت لنا أنها إلى عودة قوية بإذن الله، وإلى قدرة على تخطي كل الأزمات.
لا أعلم إمكانية احتساب الميزانيات مستقبلا بناء على الموجود الفعلي، وليس على المتوقع، وأن يتم تفصيلها إلى أقسام لا يمكن الخلط فيما بينها:1.
قسم لتشغيل المشاريع الحالية، والتخطيط للمشاريع القادمة، فلا يتم البدء في مشروع لا تكون قيمته حاضرة عينا وليس توقعا.
2.
قسم للارتباطات والمساعدات الدولية، يتم التنسيق في قيمته من الموجود الفعلي، ولا يتم تجاوزه.
3.
قسم للطوارئ، يتم تقنين الصرف منه، وترحيله سنة بعد سنة.
4.
قسم للاستثمار الخارجي، يزاد عليه قيمة الربح السنوي لإعطاء العمق والثقة للدول والمنظمات الاقتصادية العالمية ببلدنا.
هذا ولعل ميزانيتنا تنعم بالاستقرار، والرؤية الجلية، والقدرة على التوازن طويل المدى.