ليس يصحّ في المقتضى الشرعيِّ، صوغ سؤالٍ على هذه الكيفيّة، فيما لو أنّ «الدعوة» قد بقيت بنقاءٍ -على رسم النبّوة- وَفقَ منهجيّةِ (المحجّة) دونَ أن يتدنّس: «بياضُ» هذه الأخيرة بملوثاتٍ؛ كان من شأنها أن جعلت «المقاصدَ» رهناً بوسائلَ تتمحورُ حول تبنّي أدوارٍ (أيديولوجيّة)، تحوّل على إثرها «الداعيةُ» إلى محضِ «صوتٍ» يَعبُر من خلاله (الآخرون) إلى حيثُ الصعيدُ الطيّب المباركُ أيديولوجيّاً!وَعِرٌ إذن في المسلك الشرعي، أن نُعطي لـ»الدعوةِ» وظيفةً «أيديولوجيّة»، وذلك أنّها أسمى من أن تكونَ مطيّةً، ينتعلُهَا حفاةُ «الإخلاص»، وأجلّ مقاما مَن أن تُتّخذ حِرفةً، إلا أنّ مَن امتهن «الدعوة» شُغلاً يقتاتها «مالاً» حيناً، وحيناً «وجاهةً»؛ هو من كّنا نعدّه من الخائضين في مستنقعٍ «أيديولوجيٍّ» آسن، والذي لم يتجاوز -في الخوضِ- ركبَه فحسب، وإنما قد ألجمه «المستنقع» إلجاماً! لم يكن الأمر شاقاً، إذ لا يَستدعي سوى استبدالِ «عباءةٍ» بـ»عباءةٍ» أخرى، بينما المُدجّن الذي قد احتوتهُ «العباءة» -البشت- شيءٌ واحدٌ في «العباءتين»، حيث استعاضَ عن أسئلة «التقوى» بأسئلةٍ -من عيارٍ ثقيلٍ- ليس يقوى على حمل بارودها، غير أن الاستعانة بـ»الآخرين»؛ هي مَن قد أطالت له لسانه؛ فصار بالتالي يقذف بشرر «أسئلةٍ أخرى» كالقصر!، تستهدف الوصول بذات «الداعية» إلى موقفٍ مأزومٍ يجعله طرفاً في حلبة «اصطراعِ الأيديولوجيات» المختلفة، ليجدّ نفسه -تالياً- طرفاً في «نزاعٍ سياسيٍّ» قد يكون قائماً في مجتمعه بين تكتلاتٍ سياسيّة متباينة على الصعيد الأيديولوجي، ويتهيأ نفسيّاً/ عقب أن يُحرّف الكلم عن مواضعه تأولاً لـ»النصوص الشرعية»؛ ليجد نفسه كرّة أخرى، مجرد عاملٍ في كيرٍ بوظيفة «نافخٍ» للنّار؛ تلك التي كان يعدّها قبلاً هي «الفتنة»!ألم يكن الأولى، بمن توافر على أثارةٍ من «علمٍ شرعيٍّ» أن يستصحبَ هاهنا: (فقه المآلات) ويتساءل عن هذه الأشياء:- أيّ معنى لـ»داعيةٍ»، ينظرُ للنوازل بعيني: «السياسي»، ويحسب كسوباته من خلال آلة: «الأيديولوجي» ذلك الذي جعل من «النصوص الشرعية» وفق منهجٍ انتقائي/ تلفيقي تأتي طوع مآربه؟!- هذا الانحراف في مساقات «الدعوة» عن جادة مَن سلف، مَن ذا الذي مَهدَ لها الطريق حتى صارت سالكةً لكل من ابتغى الدنيا ووجه السلطة؟!- أليس من الفجورِ أن تتحول وظيفةُ «الداعية» إلى قناعٍ تتستر من ورائهِ «مصالح أيديولوجية» ونزاعات تطعنُ «الاستقامة» في خاصرتها؟!- كيف لا يكون: «نفاقاً» تبّني: «مواقف أيديولوجية»، برافعةٍ سياسيّةٍ ظاهرةٍ، ثم لا يلبث صاحب هذه «المواقف الأيديولوجيّة» من القسم بأيمانٍ مغلّظة بأنّها «المواقف» التي تتفق و»منهج السلف الصالح»... وبأنّه لم يمتثلها -ويدعو لها- إلا موافقةً للحقِ ورحمةً بالخلق؟