رغم الاختلاف الجغرافي والتنوع الثقافي، والتباين الاجتماعي بين مناطق المملكة المختلفة، إلا أن روابط وطنية متعددة أسهمت منذ أزمان بعيدة في تجسيد معاني الانصهار، والتجانس بين مكونات وكيانات هذا الوطن المبارك، فجعلت منه وحدة متماسكة الأوصال متناغمة الحضور، ليبقى لكل منطقة إرثها التاريخي، وموروثها الشعبي الذي يضفي عليها طابعا من الخصوصية الإيجابية التي تنتقل بين أبنائها جيلا بعد جيل.
في منطقة نجران – مثلا – توارث السكان منذ القدم ما يعرف بينهم بعادة «العلم والخبر»، وهي وسيلة إعلامية بدائية معروفة ومتوارثة لنقل الأخبار والأحداث من مكان إلى آخر، وظلت فعالة في تواتر المعلومات بين عائلات المنطقة رغم الانتشار الواسع لوسائل التواصل والاتصالات في عالم اليوم.
المجلس النجراني معهود عنه حسن استقبال الضيوف وإكرامهم، حتى أصبحت كلمة أرحب علامة مميزة وتأشيرة دخول دافئة إليه، بعد انتهاء مراسم الترحيب وتقديم واجب التكريم للضيف يأتي السؤال مباشرة «كيفنت سلمت..؟»، وذلك اطمئنانا على أحوال الضيف، ليعقبه «المواجرة والسلامة»، وهي مفردات تبعث على ألفة الضيف ليبدأ بالتواصل مع المكان والمضيفين، وبعدها تبدأ حاسة الاستشعار الخبري والمعلوماتي لدى أهل المجلس في العمل على النسق التالي:
المضيف: إيش علمك زانت علومك؟
الضيف: عافاك الله وطول عمرك من سدنا لحضرتكم ما جاء علم (أي إنه من مكان قدومه وحتى المجلس لم يحدث علم أو خبر يستحق السرد).
والمعروف - أيضا - في منطقة نجران أن المسافر كان يسرد الأخبار والأحداث على مستقبليه تماما مثلما يفعل الصحفيون في أيامنا هذه، إلا معلومات في العادة تكون متناثرة، ومتداخلة وتنقصها العناوين والفواصل، ولكنها تشكل باقة متنوعة من الأخبار عن الزيجات والاجتماعات والعلم بالمساعدة أو العلم بالصلح، وغيرها من أمور تستحق جذب انتباه أهل المجلس والإصغاء لسماع إجابة محدثهم عن سؤال (إيش علمك) الذي بدوره ينقل المعلومة مختصرة ومفيدة للمستمعين.
وما زال المجتمع النجراني يحتفظ بهذا الإرث التاريخي والثقافي والاجتماعي في مجالسه المختلفة، بين الشباب وكبار السن على حد سواء، حتى إن شباب المحافظة المبتعثين خارج المملكة يحملون داخل أنفسهم هذا الموروث الإخباري الحميم، كونه يمد لهم حبال الوصل مع مجتمعهم، ويؤكد على متانتها واستمرارها رغم اختلاف المكان والزمان.