منذ ظهر مصطلح البدائل الإسلامية والحرب بينها وبين كافة مظاهر الحياة على قدم وساق، ووضعت الصحوة رهانها النهائي حول هذه القضية، وظهرت ما تسمى «معركة تكسير العظام» بين الإسلاميين خاصة والمسلمين عامة. أرادت الصحوة أن تضع بديلا لكل ما تحكم عليه بأنه ليس ما هو خارج عن تصورها ولو كان يحتمل الرأيين. وجعلت الانتصار في هذه القضية محك النصر أو الهزيمة، فاضطرت بناء على ذلك أن تصادم كافة مناحي الحياة وسائر الأفكار الصحيحة والسقيمة. صادمت الصحيحة من باب الوصاية على حياة الناس ووضع البدائل الخاصة، وصادمت السقيمة من باب تغيير المنكر وإيجاد البدائل الإسلامية. ثم تجاوزت ذلك إلى الخلط بين ما هو محرم وما هو مباح والخلط بين دورها ودور السلطان، فاختلطت عليها الأمور العلمية والعملية وبدأت تفقد البوصلة في بحر المجتمع الكبير الذي لا يستطيع أن يتحكم فيه أحد إلا من حكمه الله تعالى.استبدلت بكل شيء شيئا حتى الإنسان انقسم إلى مسلم وإسلامي. وتحولت لديها الثقافة الإنسانية في الأرض بتنوعها واتساعها وتجاربها إلى ثقافة إسلامية اختنق فيها الإسلامي عقلا ونفسا وحركة وتصورا وإنتاجا ورؤية..إلخ. تجاهلت الخلاف في إباحة الغناء بالموسيقى، وبدلا من توجيهه الوجهة الصحيحة سعت بكل ما تملك من وسائل إلى إلغائه من حياة الناس، وجاءت بالإنشاد الإسلامي الذي عجز عن مواكبة الفن أو الاقتراب من منافسته لتعطي القناعة بأن الغناء أجدر بالبقاء خصوصا وأن كثيرا من منظري الصحوة انتهوا إلى إباحته ودب الخلاف الشديد بينهم. ومن البدائل الخطيرة التي أودت بالصحوة محاولة استبدالهم الحياة الإسلامية بحياة المسلمين العامة حيث أدى بهم ذلك إلى الاختناق داخل العمق الاجتماعي وصعوبة التنفس فيه إلا بالوسائل المرفوضة كالعنف والتكفير أو التنظيم المتربص بالحكم أو التكون البشري على أساس من التمايز خوف الغرق أو التيه والسعي إلى العزلة للحفاظ على النتائج على أقل تقدير حتى تسنح فرصة أخرى. أخذت تبحث عن حياة إسلامية ولم ترض بالحياة المسلمة التي صنعتها وثيقة المدينة النبوية على منورها الصلاة والسلام. لقد أدخلت الصحوة ظاهرة البدائل في كل أجزاء الحياة وتفصيلاتها، فلما فشلت في قضية الحكم الإسلامي في العقود الماضية تحولت إلى المطالب الأخرى الأقل تكلفة فذهبت إلى اللباس الإسلامي والنشيد الإسلامي والشريط الإسلامي «والعباية» الإسلامية، والنغمات الإسلامية، والمخيم الإسلامي، والتراث الإسلامي، والأدب الإسلامي، والمجلة الإسلامية وإلى ما لا يسعه المقام من الإسلاميات. لو أن المقصود من كلمة الإسلامي هو ما يقابل غير الإسلامي لساغ الأمر في بعض وجوهه، ولكن كل هذه الإسلاميات تستخدمها الصحوة في مقابل المجتمع الذي نعيش فيه كمسلمين. وعليك أن تضع مقابل كل اسم ما يضاده من غير الإسلام، ولست أدري كيف نفهم المصطلحات بسحب المسمى الإسلامي منها فتجد امرأة تلبس عباية إسلامية والأخرى تلبس عباية شركية أو عباية كافرة مثلا. الحقيقة أنه لا يوجد ما يسمى بدائل إسلامية في المجتمع المسلم لأن الذي يعيش في مجتمع مسلم لا يحتاج إلى تبديل، قد نذهب إلى تعديل أو إلغاء متفق عليه أو إضافة أو إنقاص، أما أن نأتي لكل شيء ببديل عنه فذلك ما لم يرده الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. جاء النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فطوّر ولم يبدل وألغى ما كان خارجا عن دائرة الشريعة كالعادات المذمومة وترك منها ما لا شر فيه، وألغى الجاهلية، ومنع الفساد وأمر بالعدل، وحرم الحرام وأحل الحلال، في وضوح دون غبش أو إخلال. وعندما حرم الله الخمر لم يأت لها ببديل. وعندما حرم الزنا كان النكاح الحلال موجودا، ولما حرم الربا كان البيع قائما، وكل شيء حرمه إما أن يكون بديله الفطري موجودا أو يكون تحريمه منعا قاطعا لا يحتاج إلى البدائل، وكان التحريم يأتي بغير مقابلات متكلفة بين الأشياء. وهذا القول لا أعني به إلغاء البدائل من المنهج البشري، فالناس ما تزال من قديم الدهر تضع شيئا مكان شيء وتمنع شيئا وتعوضه بسواه، وهو أقرب إلى الفطرة منه إلى التكليف. ولكن الخلل حين نسرد جزئيات حياتنا وكلياتها ونحاكمها إلى أفكارنا ونتائجنا ثم نجعل لها مقابلات مرتجلة ونصبغ ما نريده باسم الإسلام وما لا نريده باسم مقابل بالضد للإسلام، ونحاكم المجتمع المسلم في دقائق حياته وجليلها على أنه خارج من دائرة الإسلام بحكمنا الضمني له ومن ثم نضع له ما نظنه إسلاما وهو في حقيقته وجهات نظر. بحق أقول: لقد اختنقت البدائل الإسلامية وشرقت الصحوة بها، وها هي تبحث عن مخارج لا أظنها تنجح في استغلالها
اختناق الصحوة بالبدائل الإسلامية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
