يأتي مؤتمر الرياض المنعقد هذه الأيام في العاصمة السعودية، والمخصص لإعداد وثيقة سياسية مشتركة حول مستقبل سوريا، تستند إلى بيان جنيف من دون نظام بشار الأسد، مواصلة لاضطلاع المملكة العربية السعودية بالهم العربي والإقليمي.
وتتميز المملكة باكتسابها أهمية تاريخية على مستوى الشؤون الإقليمية، خاصة في العهد السياسي الحديث، وذلك نسبة لنجاحها في حل الخلافات الإقليمية، والذي بدأ بتلطيف الصراع اللبناني عبر اتفاق الطائف، وكذلك رعاية المصالحة الفلسطينية بين حركتي «فتح» و»حماس»، ثم نجاحها مؤخرا في رعاية المحادثات اليمنية التي انتهت بخروج الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح.
والمشاركون في المؤتمر هم من فصائل المعارضة السورية المسلحة والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وممثلي لجنة التواصل الدولية، التي تمثل الدول التي شاركت في فيينا.
وكمؤشر على أهمية مؤتمر الرياض وخطورته، فقد وجد أصداء معارضة وهجوما من النظام السوري كما الموقف الإيراني الداعم له، بوصفهما أن المؤتمر لا يخدم مخرجات فيينا.
ما يتبادر إلى الذهن هو هذا الجديد الذي يمكن أن يغير من واقع المفاوضات التي ما زالت تراوح مكانها منذ أن أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بيانه الرئاسي في 16 مارس 2012، باعتماد خطة النقاط الست للسلام التي اقترحها المبعوث الخاص كوفي عنان.
الواقع أن ما يمتلكه المجتمع الدولي الآن ليس بأفضل حال من سيناريوهات بيان «جنيف-1» التابع لخطة عنان، وليس بأكثر تعويلا عليها من مهمتي الأخضر الإبراهيمي الأولى والثانية، ولا حتى يمكن الركون إليها باعتبار القوة الكامنة في ثناياها مثل المبادرة الأمريكية - الروسية في مايو 2013 التي أفضت إلى مؤتمر «جنيف- 2»، ثم كان الأمل معقودا على مؤتمر «جنيف-3» ، ولكن لم ينزل من هذه الآمال شيء إلى أرض الواقع.
لم تعد الولايات المتحدة تراهن على روسيا من أجل سياسة ضغط ناعمة على سوريا لدواع إنسانية.
فروسيا التي تسرح الآن في الأجواء السورية بعد أن أمدت نظام الأسد بالعتاد الحربي وقومت من عماده الاقتصادي الذي يدك يوما بعد يوم فضلا عن الدعم السياسي، قد يئس منها أخيرا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بإعلانه أن ضربات روسيا لا تستهدف داعش، وإنما تقف إلى جانب الأسد.
بتراخي الدبلوماسية الأمريكية تم خلق فزاعة تنظيم كيانات موازية تتيح الفرصة للنظام السوري إعلانه الاستمرار في الحرب بغرض مواجهتها.
ولكي يستعد النظام لهذه المواجهة طور من المجموعات غير النظامية التي اقتصر عملها في الحماية الذاتية ولكنها نمت وربت في كنفه ليواجه بها المقاتلين في الضفة الأخرى.
وبهذا فإن النظام السوري لا يحارب طواحين الهواء فقط وإنما يخلق منها نماذج عديدة ليبث الثقة في قوته ويتوهم أن كل من يقف في مواجهته هو انعكاس لذاته الدون كيشوتية.
ولكن مع ازدياد نفوذ هذه الجماعات وخلق كل منها لنفسها قوة مستقلة مع استقلالها نوعا ما يجد بشار الأسد نفسه في أمس الحاجة للإبقاء عليها، فلو لم يكن لتدعيم ديكتاتوريته التي بدأت تتلاشى فسيكون لصالح بقائه في السلطة حتى لو تم ذلك دون نفوذ يذكر.
من غير أن تلقي الولايات المتحدة بالمسؤولية كاملة في وجه الدول العربية، فإن بإمكانها شن الحرب على داعش من دون الوقوع في الفخ الروسي أو الإيراني بشن الحرب لحماية الأسد.
ولكي يتم ذلك فإن هناك حاجة ماسة لتسليط ضوء حاد على الأطراف الإقليمية المتورطة في النزاع السوري للنفاذ إلى خنادقها وتفكيك أواصر دعمها للحرب بالوكالة.
حينها سيكون مدويا انهيار الأسد ومن فوقه تماثيل هذه الكيانات التي كان يستظل بظلها.
مؤتمر الرياض ومستقبل سوريا
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
