إما أن هناك (طبخة) لموضوع سوريا يجري طبخها بعيدا عن (جنيف) بكل أرقامه، واجتماعاته، وما تمطيط أوهام جنيف سوى مزيد من الوقت لإعطاء (الشيف) فرصة إنضاج طبخته بعيدا عن أعين وأسئلة المراقبين والمهتمين، أو أن هناك رغبة دولية في أن تأكل الحرب الأهلية سوريا ويكون الدمار الكامل هو الحل المنتظر بعد سنين تحت بصر العالم المتفرج على الكارثة
أقول هذا وأنا مثل غيري نتابع (جنيف 2)، ولا أدري من هو العاقل أو المجنون في هذا العالم الذي يصدق أن الأسد ونظامه سيوافقان على حكومة انتقالية من دون بشار ونظامه، أليس مثل هذا التصور يعد وهما؟ هل يمكن لأحد أن يظن أن الأسد سيوافق على طرح كهذا ما لم يكن خلف الكواليس (طبخة) لا يعلمها أحد؟ هل إدخال المعونات إلى المدن السورية يحتاج لكل هذه المباحثات والوساطات والمؤتمرات لولا أنها عقدة في منشار مطالب وتطلعات أخرى للنظام السوري يسعى لتحقيقها مع الطباخ الخفي؟ سواء كان هذا (الشيف) أمريكيا أو روسيا أو فريق من هنا وهناك
في القضية السورية لغز، فالتفاوض في (جنيف) يجري على ما يستحيل تحقيقه منطقيا، فلا الأسد سيقبل الرحيل ولا الائتلاف سيقبل باستمراره، وفي داخل سوريا القتل مستعر، وكل يقتل حسب رؤيته وتفسيره، النظام يقتل، وداعش تقتل، والنصرة تقتل، وحزب الله يقتل، والثوار ضاعوا وسط بحيرة القتل هذه التي لا تستثني أحدا من جحيمها، والشعب السوري، بين مقتول ولاجئ وبين منتظر لأسوأ المصيرين، فهل في هذا المناخ المحموم الكارثي من ينتظر حلا من (جنيف)؟ السوريون ينتظرون رحيل الأسد ونظامه مثلما انتظر الليبيون رحيل القذافي ونظامه، فهل هناك حل يحقق هذا المطلب غير الحل الذي تم تطبيقه بحق القذافي؟ هل يمكن أن يرحل الأسد بنفس الآلية التي رحل بها علي صالح في اليمن؟ هل إسرائيل راغبة برحيل الأسد؟ السؤال الأخير المتعلق برغبة إسرائيل أظنه مربط الفرس في قضية سوريا، فإسرائيل كانت وما زالت آمنة مطمئنة بوجوده، إذ طيلة العقود الماضية وحتى الآن لم تر منه أي تحرك لتحرير أراضيه، أو تهديد أمنها، والحليف الأمريكي الوفي لإسرائيل ربما لم يجد حتى الآن بديلا أفضل بعد أن فشلت خطته في تسييد الإخوان المسلمين في المنطقة، ولذلك ما زال حائرا بين أمن ربيبته المدللة، وبين المطالبة السورية والدولية برحيل الأسد، وتبعا لحيرته ضعف حماسه للقضية السورية واكتفى بتصريحات تطمينية يطلقها في المناسبات لذر الرماد في العيون
إنني أشك في أن هناك خلافا بين أمريكا وروسيا حول مصير سوريا، بل أكاد أجزم أنهما متفقان بدليل موقفهما الدائم من إسرائيل، وما اختلافهما الظاهري سوى إعطاء فرصة لحل يريدانه ولا نراه، وسيفرضانه، ولن يستطيع أحد رفضه، فقط متى ما حانت الفرصة وفق ماترى واشنطن وموسكو ولا أحد غيرهما
قد يرى البعض في هذا الطرح تبسيطا للمشكلة، وقد يراه البعض جهلا سياسيا، لكن لكل من يرى هذا أو ذاك أقول: أفتونا في حماس أمريكا وروسيا لمؤتمر (جنيف) الذي يدور خارج فضاء العقل والمنطق؟
واشنطن وموسكو والكارثة السورية: خارج فضاء المنطق
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
