دخلت الحضانة حاملة طفلها البالغ من العمر السنة والنصف، لتستقبلهم المشرفة من على المدخل قائلة (جود مورننج) ثم تلتفت للطفل وهي تمد يدها لتأخذه من أمه قائلة بمرح (جود مورننج حسون، يالله كمون إنتا جود بوي، دو يو وانت تو بلي اليوم وذ يور فريندس، يالله لتس جو).
لن أولول وأشذب ما يحصل في المدارس والجامعات والتعليم الخاص والشركات وبعض القطاعات من تهميش للغة العربية وإقصائها على اعتبار أنها أداة قاصرة عن تمكين التواصل الفعال للمعرفة، النجاح، والتميز.
بل سأحاول أن أتبحر عميقا لمعرفة السبب وراء ذلك.
لأعرف لماذا فجأة أصبحت اللغة الإنجليزية جذابة ومواكبة لهذا الحد؟ وأصبحت اللغة العربية قديمة وغير مواكبة لهذا الحد؟ ولنكن صريحين وواقعيين، فإنك وإن كنت تشذب هذا الفعل وتستنكر تهميش اللغة العربية، وما زلت في كل محفل واجتماع تنادي بالخطر المحدق بهويتنا وديننا من تهميشها.
إلا أن أولادك ما زالوا يرتادون نفس المدرسة العالمية التي تركز على اللغة الإنجليزية.
وما زلت أنت نفسك مهووسا بأن تتعلم الإنجليزية، ويكون أولادك متحدثين لها، لأنك تفكر في مستقبلهم الدراسي والوظيفي ووضعهم في الحياة، ومن يلومك؟ ألسنا كلنا نريد لأنفسنا وخلفنا الحياة الأفضل!وعليه فلنسأل بصراحة ماذا فعلت الأجيال السابقة بإتقان اللغة العربية؟ وهل نستطيع الفصل ما بين اللغة العربية كحضارة وموروث مقدس، وما بين الطرق النمطية في المناهج والتلقين الذي عانيناه في منظومتنا التعليمية؟ أوليست اللغة العربية المسكينة هي المفردات التي يستخدمها الغلاظ من الوعاظ حين التنديد بعذاب النار، أوليست اللغة العربية المظلومة هي الرمزية التي تمثل منظومة العنصرية البالية والطائفية القاتلة.
أوليست اللغة العربية هي رمزية وضعنا العربي كدول عالم ثالث، ورمزية تأخرنا عن ركب العالم الأول.
ثم بعد كل هذا نتساءل لماذا نهرب منها، ونحن في الحقيقة نهرب من أنفسنا، ونحاول أن نُلبس أنفسنا وأولادنا حُلل عالم أفضل، ورداء يبدو ظاهره أقل سوداوية.
18 ديسمبر سيكون اليوم العالمي للغة العربية.
وإنني لأدعوكم وأدعو نفسي لأن نحتفل به.
نعم نحتفل بجذور لو اقتلعت لصرنا عرضة لأن تطيرنا العواصف والمحن.
نعم نحتفل بإرث مقدس لا ذنب له في ما آلت إليه أحوالنا، ولكنه قد يكون خارطة طريق لاعتلاء آخر في عمر الزمن.
نعم نحتفل بصفات وراثية متغلغلة في ثنايا كينونتنا وكينونة أولادنا، تحافظ في داخلهم على العزة والأصالة، وترجعهم دائما إلينا مهما فرقتنا الأحوال والمسافات.
نعم نحتفل بلغة القلب، التي لا يشفي غليل شوقك واكتساح مشاعرك إلا إياها وأنت تقول بلسان عربي أصيل (أحبك).
ولا يشفي إلحاح مناجاتك لربك إلا نطقك لها بكل رجاء (يا الله)