لن أنمق وأداري وسأقولها صريحة إنني في أول مرة أتتني مهمة عمل كمدربة مع شركة أرامكو للإعداد لمنتدى جازان الاقتصادي، استعجبت من قيام منتدى اقتصادي بهذا الحجم في مدينة فتية كجازان، ونحن الذين للأسف اعتدنا في تركيزنا الإعلامي والتطويري على المدن الرئيسية.
بالإضافة إلى أنه من عادتنا (للأسف مرة ثانية) كقاطنين للمدن الرئيسية بالذات أخذ الانطباعات المسبقة عن مدن بلادنا البعيدة عنا جغرافيا، لأننا ببساطة لم نزرها أو نبذل الجهد للتعرف عليها ثقافيا وحضاريا.
لكن في اللحظة التي خطت فيها قدماي على أرض المطار توالت المفاجآت الواحدة تلو الأخرى.
ليتحول توقعي من التواضع إلى التعجب ثم إلى الانبهار والزهو، لذا حين تلقيت الدعوة الثانية من جامعة جازان كمتحدثة في ملتقى الإبداع وريادة الأعمال سارعت إلى القبول بكل حماس وترقب.
ورغم أنني عملت مع عدة جامعات وقطاعات ولكنني فوجئت بمدى نشاط جامعة جازان ومنسوبيها وانخراطهم في نشاطات المنطقة التنموية والتطويرية.
فقد كانوا شركاء استراتيجيا في التنظيم مع أرامكو في المنتدى الاقتصادي، ثم قائمين ومنظمين لملتقى الإبداع وريادة الأعمال.
فترى شبابهم وفتياتهم وموظفيهم وموظفاتهم يتقلدون جميع أنواع المهام التنظيمية والتنفيذية والإشرافية بكل تفان واحترافية كمثل أكبر الشركات المتخصصة.
فعلا كانت رحلة ماتعة بكل المقاييس، حيث يبدأ يومك بأن تستيقظ على جمال إطلالة غرفتك على شواطئ جازان النقية ثم تتوجه لمبنى جامعة جازان، حيث تمتع فكرك وتوسع معرفتك وتثري علاقاتك مع نخبة من المختصين والفاعلين والمبادرين من بلادك والبلدان الأخرى، فتخلق الفرص، وتتولد الأفكار، وتفتح الآفاق للتطور، للنماء، ومستقبل أفضل لبلداننا وعالمنا، فكما يقولون (الأشياء العظيمة تبدأ باجتماع الناس)، لتعود بعدها إلى غداء فاخر مكلل بأشهى الصنوف المحلية، ثم تعود لفندقك فترتاح قليلا استعدادا لبرنامجٍ سياحي منظم يأخذك إلى قرية جازان التراثية، حيث يستقبلك المرشدون وهم يشرحون لك تاريخهم وتراثهم بكل حب واعتزاز، ثم تمر على البائعات القرويات وهن يرحبن بك بكل حفاوة ويغمرنك بخلاصة الفل المصفى.
ثم ذلك العرض الجميل المكلل بالحضور وعقود الفل الجيزاني والرقصات الجيزانية الرائعة والأصيلة.
ولكن ما سيأسر قلبك حقا، ويجعلك تتآلف مع هذه الآسرة الجنوبية، هو حب الفنون والحياة التي يغمرك بها أهلها وهم يتفانون لإشعارك بالسعادة، غمرك بالحب، وشحنك ببعض من إشعاعات طيبتهم ونقائهم وأصالتهم.
يؤثر عليك طيب المقام عندهم لدرجة تجعلك تتثاقل في إعداد حقيبتك، وتجلس مع مرافقيك لآخر لحظة.
ثم تجد نفسك تجري للحاق بطائرتك في الدقائق الأخيرة، لتجلس في مقعدك متلاحق الأنفاس.
ثم تغمض عينيك وتبتسم لعبير عقود الفل والورد التي ستظل عالقة في ذاكرتك.
آسرة الجنوب
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
