لكي تتقي شرّ عدوك اعرفه جيداً، هكذا تقول الحكمة القديمة. كانت الفكرة النمطية عن الجيش الإيراني هي أنّه يتألف من الحرس الثوري الإيراني وكتائب الحرس الثوري الإسلامية وهي جميعها من الكوادر المدربة قتالياً وعسكرياً. ولكن هذا الجيش على قوته وعتاده، مسنودٌ بشكل أساسي بميلشيا تتبع مباشرة للدولة وهي ميلشيا (الباسيج).
أسّس ميلشيا «الباسيج»، والتي يعني اسمها (قوات التعبئة الشعبية)، روح الله الخميني عام 1979 وهي قوات شبه عسكرية تتكون من متطوعين مدنيين ذكور وإناث ومن رجال الدين وتابعيهم، وهي الذراع الرئيس للحرس الثوري الإيراني (الباسدران) الذي يتبع إلى سلطة المرشد الأعلى لإيران. ينحدر معظم المنتسبين لهذه الميلشيا من أبناء الريف الفقير الذين وجدوا في المنظمة مصدراً لامتيازات حُرموا منها، وللحصول على دخل ثابت وضمان دخولهم إلى الجامعات بسهولة فائقة.
ونظراً لغياب الرؤية السياسية لمؤسسي الجمهورية الإسلامية من الملالي الذين لا يمتلكون أي خبرة في العالم السياسي، فقد قام جسم الباسيج على أواصر اجتماعية متينة وقفت كمعادل للقوة العسكرية في غياب الدراية السياسية. ولكن بعد ذلك، وبتلاطم بحور السياسة في منطقة الشرق الأوسط وجدت هذه القوات نفسها في خضم الأحداث، ليس كمساند للحرس الثوري فحسب ولكن كفاعل رئيس في الأحداث، بحكم مقدرتها واستراتيجيتها الفعّالة في التجنيد والاستقطاب.
يكشف البروفيسور الإيراني سعيد جولكار خفايا هذه القوات في كتابه الذي جاء بعنوان (مجتمع أسير.. ميلشيا الباسيج ونظام السيطرة الاجتماعية في إيران). قام جولكار في كتابه الصادر هذا العام 2015 من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية بعقد مقارنة رمزية بين انتشار هذه القوات، الذي شبهه بانتشار المقاهي الأمريكية بقوله: «هناك 12 ألف مقهى ستاربكس في الولايات المتحدة و22 ألفاً حول العالم، وبالمقابل لدينا في إيران وحدها ما يزيد على خمسين ألف قاعدة ومكتب لميلشيا الباسيج». ويتابع «بينما يصل عدد أعضاء الباسيج «آر 4 إي» إلى خمسة ملايين عضو نجد أنّ 65% من الموظفين في الدولة وواحداً من كل ثلاثة طلاب هم أعضاء فاعلون في المنظمة الأمنية».
وكحال كل القوات الداعمة للقوات العسكرية القائمة على أساس عقائدي وأيديولوجي، فقد قامت هذه الميلشيا أيضاً على أساس عقائدي وأخذت تتغلغل في خفايا مراكز القرار السياسي والنسيج المجتمعي في إيران، بشكل أصبحت أشد خطورة من الحرس الثوري الإيراني المعروف رسمياً. وذلك لأنّ دور الباسيج يتعدى المهمة العسكرية إلى التغلغل في المجتمع واستقطاب الشباب وتجنيدهم.
الخطر الماثل أمامنا الآن هو أنّ الحرب في سوريا ضمنت لهذه الميلشيا موطئ قدم في الوطن العربي، ويمكن بسهولة أن تمارس نشاطاتها وتوسعها التنظيمي لتجنيد شباب المنطقة بكل الوسائل التي أصبح المتاح منها على قدرٍ كبير من السعة. أمّا السلاح الأشدّ مضّياً فهو أنّ ميزانية هذه الميلشيا مفتوحة لأغراض التجنيد بأنّها تدفع رواتب ثابتة للكادر العامل والأعضاء المتخصصين في المنظمة، بينما يتلقى الأعضاء المنتسبون امتيازات عديدة، منها مكافآت مالية وقروض ميسرة وخصومات على الرحلات الدينية لزيارة المدن المقدسة. كما أنّه يتم إغراء الفتيات بأنّ العضوية في الباسيج تضمن لهنّ حقوقاً مباشرة في التعليم الجامعي، وتجلب لهنّ فرصاً أعلى في الزواج.
وبهذا يكون الشباب العربي عرضة لأحد الشرّين إمّا داعش أو الباسيج. وبما أنّ النتائج تشير إلى أنّ الفكر الداعشي ينتمي إليه في الغالب شبابٌ مغمورون وفاشلون ومنزوون؛ فإنّ ما يقدّمه تنظيم الباسيج يبدو أكثر إغراءً لجموع الشباب، لأنّه يقدّم الطُعم المادي ويلعب على طموح الشباب والفتيات. وفي هذه الحالة التي نرى فيها الشباب يترنحون في حالة الخواء المعرفي، واللا انتماء الوطني، والتوهان الاجتماعي والحاجة الاقتصادية، فإنّه من المتوقع أن تواجه الدول العربية بحكوماتها ومجتمعاتها خطراً أشدّ فتكاً، يرى في شبابنا رؤوساً قد أينعت ويتأهب لقِطافها.
[email protected]