يحدث أن يسألك شخص عن آخر تكتشفان أنكما تعرفانه أنتما الاثنان «تعرف فلان؟» فتجيب أنت نعم فيسألك «كيف عرفته؟» فتسرد له سلسلة من الأحداث التي أدت إلى أن تعرفه.
ومهما يكن من أمر فأي شخص أنت تعرفه لسببين: أولا: لأن له وجودا فيزيائيا، هو موجود دائما سواء كنت تعرفه أو لا.
ثانيا لأن هناك سياقا اجتماعيا (ظروف موضوعية) جعلك تعرفه.
وهذه المعرفة تتلخص دائما في شيء واحد: أنت تعرف من يكون هذا الشخص، في ذاكرتك وإحساسك تطابق بين الاسم والمسمى، الصفة والموصوف.
من أشهر تقسيمات المعرفة، التصنيف الثنائي الذي اقترحه برتراند رسل (1872م-1970 عالم رياضيات ومفكر بريطاني).
يميز هذا التصنيف بين نوعين من المعرفة: المعرفة بالاكتساب وهي المعرفة التي نحصل عليها بالخبرة والحواس والتجربة العلمية، أي إن المعرفة العلمية هي ضمن هذا النوع.
النوع الثاني هو المعرفة بالوصف، وهو حين لا تكون هناك صلة مباشرة بين الشخص والحقيقة ولكنه اكتسب المعرفة بالوصف مثل المعرفة التاريخية أو الجغرافية، حين تقول «كان بينوشيه ديكتاتورا» فأنت لم تعش قط في تشيلي ولم تعرف بينوشيه مباشرة، ولكن عرفت ذلك بالوصف.
ليس هذا هو التصنيف الوحيد بالتأكيد، فقبل رسل وبعده وجد مفكرون وعلماء يقترحون طرقا لتصنيف المعرفة.
هنالك مثلا التصنيف الذي يقسم المعرفة إلى الأنواع التالية: معرفة منطقية تعتمد على فهم العلاقة بين حقيقتين أو أكثر، ومعرفة دلالية تنتج من فهم معاني الكلمات، ومعرفة تجريبية تنتج من الخبرة المحسوسة.
ولكن ما الذي يجعل المعرفة معرفة، أي كيف تعرف أنك تعرف؟ مثلا ما هو نوع المعرفة التي نحصل عليها عندما نسمع «حدثني أحد الثقات» أو «يقولون» أو «الفكر الديني هو المسؤول الأول والأخير عن الإرهاب»؟.
في العلوم (سواء علوم الطبيعة أو العلوم الإنسانية، فالفروقات بينهما هي فروقات تقنية تتعلق بطبيعة موضوع الدرس وليست فروقات جوهرية) يمكننا أن نميز بين نوعين من الأطروحات.
أولا: فرضيات تستند إلى حد أدنى من الملاحظة والتعقل وتحتاج إلى إثباتات وأدلة تجريبية.
ثانيا مزاعم لا تستند إلى أي ملاحظة ولا ترقى إلى أن تكون فرضية.
على هذا الأساس، ماذا نسمي عبارة مثل «الفكر الديني هو السبب الأول والأخير للإرهاب في مجتمعنا»؟