(النص) من الكتاب أو السنة يفيد التخصيص والتعيين وهو مناط الحكم الشرعي لما يترتب على الامتثال من الثواب والمخالفة من العقاب فلزم تبيين الحجة لله على الناس، ولا تكون الحجة لازمة إلا بالتعيين والبيان الذي لا يدخله احتمال، وفي هذا المعنى جاءت القواعد الأصولية أن «شرط التكليف فهم الخطاب» وقد عرّف الفقهاء النص بأنه ما دل على معنى من غير احتمال فإن دل اللفظ على معنى واحد من غير احتمال لغيره فهو النص بمعنى أنه إذا ذكر الخمر فلا ينصرف التفكير إلى غيرها. ومن هذا الباب لم يكن للحكم الشرعي من الأدلة المتفق عليها إلا النص أو القياس عليه، فالذين يحرمون بناء على صيغ التعميم مطلقاً يأتون إثماً وبهتاناً عظيماً، فالحرام ما حرمه الله بخصوصه وما من عام إلا وخصص، فالجنة والنار والرحمة والعذاب ونيات الناس وما في صدورهم، إنما هي لله وحده
لقد ذم الله سبحانه وتعالى المشركين لتحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقولهم ما في بطون هذه الأنعام خالص لذكورنا ومحرم على أزواجنا، ويتسلق آخرون على مبدأ سد الذرائع فيحرمون كل العادات والتقاليد بعد أن يدخلوها في الدين رغم أن الأصل فيها الإباحة، فيوسعوا دائرة الحرام من باب سد الذرائع، ويأتي آخرون يحرمون ما أحل الله استناداً إلى قوله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث). والخبائث ليست نصاً بعينه فلا يتعلق بها تحريم لغموض معانيها ولاكتنافها شتى الاحتمالات، إذ يحتمل أن يكون مراد الشارع الحكيم من الخبائث هذا أو ذاك مما يراه بعض الناس خبيثاً، ويراه آخرون مستطاباً فلا يستقيم لهذا اللفظ معنى على كل حال. ولا يؤاخذ الله عباده على كلام له فيه احتمال. والدليل كما يقول الأصوليون إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، فكلمة الخبائث ليست نصاً فلا يصح التكليف بها أصلاً، فهي من ألفاظ العموم والعام لا يجوز العمل به. يقول الحق (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). وغيرها مثل المنخنقة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إلى آخر المنصوصات عليها. وفي هذا المسلك تحقيق لمعنى تفسير القرآن بالقرآن. يقول ابن تيمية الفتاوى 21/608 فإن الله حرم الخبائث من الدم وما ذكر في سورة المائدة، إن اعتبار الخبث فيما حرم الشرع، يفيد أن الحل والحرمة بحكم الشرع لا بالفعل والرأي فالأصل أن كل ما حرمه الله فهو خبيث وليس كل ما استخبثه الناس فهو حرام. نسمع هذه الأيام الغريب والعجيب من الفتاوى والتجرؤ على أحكام الشرع تحت أسماء لا أدري إن كانت حقيقة أم مستعارة مثل أبي البراء وأبي الحكم وغيرهم جعلوا من أحكام الله محلاً للتندر على التويتر والفيس بوك، لم تكن أذواق الناس، واستحسانهم مصدراً من مصادر التشريع فهذا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عافت نفسه أكل لحم الضب ومع ذلك لم يحرمه ويعاف الطبع السليم الدم عند المرأة ويستقذره ومع ذلك لم يحرم وطء المستحاضة، وكانت حمنة يأتيها زوجها وهي مستحاضة. فالعادات الأصل فيها الإباحة فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله، والعادات هي المعاملات والعقود واللباس والزينة، وحجاب المرأة وكشف وجهها وكفيها أو إظهار عينيها وعمل المرأة على عمومه، وسياسة الدولة في إدارة شؤونها، فالأصل في كل هذه عدم التحريم، ومن ادعاه احتاج إلى دليل من كتاب أوسنة أو قياس، وهي مصادر التشريع التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله وإقراراته. التحريم هو من أخص خصوصيات الألوهية ولم يأت من الحق إلا في نصوص قطعية. كان السلف الصالح يتحرجون ويرون الهول على إصدار حكم شرعي بالتحريم ولم نسمع أنهم سارعوا إلى كيل الحرام إلى الناس جزافاً دون دليل، ولا يعتبرونه كما في أيامنا هذه من علامات الزهد والورع والتقوى. وخير دليل لهؤلاء المتساهلين في إطلاق كلمة حرام، موقف الرسول عليه الصلاة والسلام في توقفه عن تحريم الخمر مع ما كان ظاهراً له من مساوئها لم يحرمها من تلقاء نفسه وهو رسول الله حتى جاءه النص القطعي ممن بيده التحليل والتحريم الله عز وجل
واليوم نسمع عبارات التحريم تطلق من دون دليل أو بأدلة بعيدة ويفصلها حتى تتناسب مسألته دعاة هواة نراهم على الفضائيات يحرمون ويحللون. يذكرون مرئياتهم واستحسانهم واستقباحهم لأي تصرف اجتماعي لا يناسب هواهم حتى أصبحنا نعتقد أن استحسانهم واستقباحهم ومرئياتهم مصدر جديد من مصادر التشريع الإسلامي.
هل هم المشرعون؟!
نجيب عصام يماني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
