أصبح لمفاهيم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) سياق خاص بها في الوعي المحلي (الديني والاجتماعي) معا؛ بسبب الصياغة التراكمية لتلك المفاهيم وتطبيقاتها العملية.
ولكن هل تلك المفاهيم هي ذاتها المفاهيم المقاصدية التي جاء بها الدين الإسلامي بشموليته؟للإجابة عن هذا السؤال علينا إعادة تشريح المصطلحين (المعروف والمنكر) في القاموس الفقهي عبر التاريخ، حينها سنجد جملة من الاختلافات العميقة في دلالات المعروف والمنكر بين المذاهب الإسلامية أو المدارس الفقهية المتعددة.
تبدأ طرافة تلك الاختلافات من اعتبار أن الجهر بالبسملة في الصلاة منكر، كما عند الحنابلة، في حين أن ذلك الجهر من (المعروف) عند الشافعية، لتصل تلك الطرافة (الخلافية) وتطوراتها التاريخية (داخل مذهب واحد فقط) إلى اعتبار أن التبرك بقبر أحمد بن حنبل كان معروفا عند الحنابلة الأوائل /‏ حنابلة بغداد، بينما هو منكر واضح عند حنابلة دمشق المتأخرين!سيتضح بالقليل من التعمق أن مصطلحي (المعروف والمنكر) عائمان وليس لهما محددات ثابتة في التراث الفقهي، باستثناء المنكرات المجمع عليها من كل المدارس والمذاهب، ولكن حين نقيم اليوم ما يشاع أنها من المنكرات التي درج على صياغتها القائمون على منظومة الحسبة لدينا فإننا سنضع الكثير من الأسئلة التي يمكن أن تساعدنا في فهم طبيعة معايير صناعة مفاهيم المعروف والمنكر، منها مثلا:هل يجوز تحريم ما اختلف في تحريمه؟ هل يكفي مبدأ سد الذرائع للحكم على تلك النازلة الجديدة بأنها من المنكرات؟ هل يكفي وجود شبهة احتمال المنكر للحكم على ذلك الشيء بأنه منكر؟ هذه الأسئلة وغيرها من المؤكد أن المنطق الفقهي سيجيب بنفيها، ولكن المشكلة هي في الركود والتحوط المبالغ فيه الذي صبغ المزاج الفقهي، ولا يزال، عبر الزمن.
هذا الأمر أصبح مرهقا كثيرا في واقع عنيف التغييرات في المفاهيم، ولا يزال يحاصرنا بالكثير من الانقلابات المتلاحقة في الوعي والتصورات.
مفاهيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن تواكب ما نحن فيه اليوم من واقع جديد لم يعد فيه ممكنا الحفاظ على محددات مرسومة سلفا، وبطريقة لم تنطلق فيها بعض تلك المحددات من نصوص واضحة، بل من المزاج البيئي والاجتماعي الذي تغير هو الآخر، وأصبح من المتعسر فرض الكثير من تلك القيم على شرائح اجتماعية متباينة، ويشكل فيها الجيل الجديد تحت سن الثلاثين 70% من مجموع السكان.
كل هذا من أجل إبقاء مكانة تلك الشعيرة الإسلامية حية في النفوس، لا أن تتحول إلى منظومة بوليسية ترهق الناس لأسباب غير منطقية ولا واقعية ولا دينية أيضا؛ فهذا الشيء – على المدى البعيد – ومع كثرة التحولات والتبدلات سوف يجعل المطالبات بإلغائها مستقبلا أمرا حتميا.
هذا فضلا عن الحديث الذي لم أتطرق إليه عن التطبيق الخشن -أحيانا- للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكيف سيعزز من صورة الدين محليا في وجدان الأجيال، وعالميا أمام عالم يسمع ويشاهد كل شيء.
هي مجرد دعوة لإعادة تقييم بعض تصورات (المنكر) المتجذرة التي أرهقت الآمال التنموية والمفاهيم الإنسانية والضرورات الحقوقية، فعدم إعطاء أي اعتبار لتلك الأشياء سيكون مضرا بمكانة تلك الشعيرة ومكانة الدين أيضا، فالتصلب في الحفاظ على مجرد اجتهادات غير منصوص عليها بصريح النصوص لا يعتبر وفاء للدين، بل لتلك الاجتهادات وحدها، وربما يكون إساءة مضمرة لصورة الإسلام مع الزمن.

[email protected]