الذهاب إلى العمل والعودة منه هما أكثر عملين يمارسهما الموظف السعودي، وأعرف كثيرا من الخلق عملهم الوحيد الذي يتقاضون من أجله رواتبهم هو الذهاب إلى العمل ثم التوقف عن عمل أي شيء حتى يحين موعد العودة إلى المنزل.
ولا أبرئ نفسي طبعاً لكني لست من الصنف الذي لا يفعل أي شيء على الإطلاق، فأنا على الأقل أقضي النصف الأول من وقت العمل في الشكوى من الزحام الذي تعرضت له وأنا قادم في الصباح، والنصف الآخر في التذمر من الزحمة التي ستقابلني وأنا عائد إلى منزلي ـ المستأجر طبعاً ـ ولا أمل من تكرار ذات الأقوال ولا يكف زملاء العمل عن سؤالي عن الزحمة كل يوم قبل أن أسألهم نفس السؤال.
كانت الزحمة هي مشكلتي الوحيدة فيما يبدو، لكنني في الفترة الأخيرة اقتنعت أن الأمر ليس مشكلة كبيرة كما كنت أتوهم، ومن رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته وتقبلها وبلعها برضى وقناعة!مشوار في أحد شوارع الرياض أو جدة كفيل بعلاج أبناء بقية المناطق من توهم الزحام الذي يشتكون منه دون أن يروه ويعيشوه.
يقال إن الإنسان يعيش ثلث عمره نائماً، وبقية الثلثين مقسمة على بقية أفعال «اليقظة»، أما سكان الرياض وجدة فإنهم يقضون الثلثين المتبقيين عالقين في زحام شارع ما يشتمون شخصاً ما!وعلى أي حال..لا أعلم كيف يمكنني مواساة سائقي هاتين المدينتين كما واسيت نفسي بالنظر إلى مصيبتهم، ربما يكون الحل الأفضل لهم لكي يتأقلموا مع وضعهم هو أن يتخيلوا أنهم طيارون يقودون مقاتلات فوق الأراضي السورية، سيشعرون حينها أن الزحام الذي يزعجهم في الشارع أخف بكثير، وأن العمل الذي ينوون القيام به ـ أيا كان ـ أكثر فائدة!