إن الصلة بين التغير المناخي وداعش، وبصفة أعم بين التغير المناخي وعدم الاستقرار السياسي ليست مجرد مصادفة، بل إنها قد تكون الحقيقة الرئيسة في القرن الحادي والعشرين.
لقد جاء صعود داعش نتيجة مباشرة لفشل النظام السوري عندما أحدقت به الانتفاضات المدنية في2011.
ووفقا للخبير في الثورات في مركز وودرو ويلسون وجامعة جورج ميسون، جاك جولدستون، فإن تلك الانتفاضات لم تأت من فراغ، ولم تكن مجرد إلهام حركته ما شهدته تونس وليبيا ومصر من احتجاجات.
فقد كانت سوريا دولة مزدهرة على نحو متصاعد في التسعينات، وكانت طوائفها المختلفة دينية وعرقية تعمل معا في المدن، ولكن فيما بين 2006 و2009 أصيبت سوريا بأسوأ جفاف تشهده في التاريخ الحديث.
وقد أظهر مقال حديث نشر في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم أن هذا الجفاف ليس طبيعيا، بل إن ارتفاع درجات الحرارة وضعف الرياح التي تجلب الرطوبة من البحر المتوسط كانا على الأرجح انعكاسا لازدياد انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري على المنطقة، وفقا لنماذج المحاكاة على الكمبيوتر.
وتسبب الجفاف وما اقترن به من سوء الإدارة المائية والإهمال الحكومي لأحوال المزارع في انهيار الزراعة في شمال شرق سوريا.
وعاني 75% من المزارعين من فشل محصولي كامل، ونفق 80% من رؤوس الماشية.
وهاجر نحو 1,5 مليون أسرة من أسر المزارعين إلى المدن بحثا عن العمل والطعام، فانضمت إلى ملايين اللاجئين من فلسطين والعراق.
وساهم العبء الإضافي الذي فرضه هؤلاء اللاجئون على مدن سوريا، وما حل بالمزارعين من شقاء بعد أن فقدوا أراضيهم بفعل الجفاف، في تغذية انتشار التمرد على نظام الأسد.
تهديد هيكلي
ووفقا للباحث جولدستون فإن «من المؤكد أن التغير المناخي لا يمكن أن يكون وحده أهم أسباب الصراع، بل هو ما يسميه الباحثون «تهديدا هيكليا».
والحكومات التي يمكن أن تجابه مثل هذه التهديدات لن تهتز بسبب الاحتباس الحراري، لأنها تتمتع بتأييد النخبة والتأييد الشعبي، ولديها من الموارد ما يمكنها من التصدي للتحديات، وهي على استعداد لاستخدام هذه الموارد في توزيع الغذاء والمساعدات على المحتاجين، كما أن لديها اقتصادا متنوعا يمكنه أن ينتج الوظائف.
ولو أننا كنا نعيش في عالم القيادة فيه لمثل هذه الحكومات في كل المناطق فلربما أصبح التغير المناخي عبئا اقتصاديا ولأرغمنا على تغيير أسلوب حياتنا، لكنه لم يكن ليصبح قط خطرا ينذر بانهيار الدول وبالحرب الأهلية.
أنظمة هشة
ووفقا للباحث فإن «أمريكا الوسطى وأغلب أفريقيا والشرق الأوسط وجانبا كبيرا من جنوب آسيا، فيها الكثير جدا من الدول الهشة التي ترتاب فيها قطاعات كبيرة من النخبة والسكان في الحكومة بسبب الإقصاء، إما العرقي أو الاقتصادي، حيث تملك الحكومات موارد اقتصادية محدودة للتصدي للأزمات الإنسانية، وحيث تعزف الحكومات على التصدي للمشاكل بين الجماعات أو المناطق المهمشة من البلاد، وحيث يكون الاقتصاد معتمدا اعتمادا كبيرا على الزراعة أو التعدين، ومن ثم لا يمكنه توفير الوظائف للناس إذا اضطروا للانتقال إلى مكان آخر.
وفي مثل هذه الدول - بل والأسوأ في مثل هذه التجمعات من الدول - يمكن لارتفاع مفاجئ في أسعار المواد الغذائية، أو جفاف حاد، أو فيضان مدمر أن يمثل اختبارا قاسيا للحكومة.
وحيث تفشل حكومة ما يمكن لما يتبع ذلك من صراعات أن يمتد إلى دول أخرى هشة أو يشعل منطقة بأسرها.
فراغ السلطة
واليوم يشهد العالم وباء الدول الفاشلة، فليبيا وسوريا والعراق واليمن وأفغانستان ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى والصومال ومالي، كلها فقدت السيطرة على مناطق من أراضيها.
وفي كل حالة من هذه الحالات خلق ضعف سلطة الدولة فراغا للمتشددين، ولا سيما تنظيم داعش، لتجنيد أتباع والقيام بعمليات.
كما أدت الصراعات إلى انطلاق موجات هائلة من اللاجئين إلى أوروبا غير المستعدة للتعامل معها.
وفي الوقت نفسه فقد زاد عدد السكان تحت سن الرابعة والعشرين في أفريقيا بواقع 500 مليون نسمة، وزاد سكان سوريا وأفغانستان والعراق وفلسطين واليمن بأكثر من 100 مليون نسمة، وهذا هو تقدير الأمم المتحدة لعام 2050.
أضف إلى هذا المزيج تشكيلة من موجات الجفاف الحادة، والفيضانات المدمرة، والفشل المحصولي، والهجرات الجماعية التي تخلق صدامات ومنافسة شديدة بين الفئات العرقية والدينية التي تكافح من أجل الأرض والموارد والدخل.
ثم فكر كيف لحكومات هذه المناطق أن تتصدى لمثل تلك الأزمات، وما إذا كان من الممكن لأوروبا وغيرها من الملاذات الآمنة استيعاب ولو جزءا يسيرا من طوفان اللاجئين الناتج عن ذلك.
إن الإرهاب يزدهر في ظل الدول الضعيفة والفاشلة وفيما بين النازحين، وإذا كان لنا أن نقلص الاثنين معا في المستقبل فنحن بحاجة لضمان ألا يشهد مناخنا مزيدا من التدهور.
وإذا فشلنا في منع استمرار الاحتباس الحراري فربما يتجاوز ارتفاع الحرارة السياسية الاحتباس الحراري للطقس بكثير.

