خلال أقل من عشر سنوات استطاع الانترنت أن يتحول من مجرد شبكات مترابطة مع بعضها بشكل غير منظم تستخدمها الهيئات النخبوية كالجامعات والمؤسسات العسكرية ومراكز الأبحاث إلى محرك تجاري قوي، بدأ بالازدهار في منتصف تسعينات القرن العشرين.
وتعد المؤسسات في المدن والمناطق الكبرى هي السباقة في استغلال شبكاته لتحقيق أرباح أكبر، ولجأت إلى الشركات الالكترونية من أجل المساعدة التقنية، مما أنتج أدوارا اقتصادية إيجابية.
ويشرح الخبير الاقتصادي بجامعة هارفارد الأمريكية شين جرينستين في كتابه «كيف أصبح الانترنت تجاريا» الأسباب وراء تطور الانترنت، وكيف كانت خيارات الحكومة الأمريكية عاملا حاسما في انتشاره بسرعة وبشكل مبكر، وتعامل معه كظاهرة قابلة للدراسة الدقيقة.
قصة التطور
والرواية السائدة لدى معظم الناس تقول إن الانترنت انتصار للابتكار الأمريكي، حيث إنه ولد في وزارة الدفاع، وتولت المؤسسة الوطنية للعلوم في أمريكا رعايته، وابتكر الفنيون طرقا وأساليب لتحويله إلى محرك اقتصادي من خلال بناء شركات مثل قوقل وفيس بوك لتقدم خدمات لم يكن أحد يحلم أن يفعلها من قبل.
لكن جرينستين يقول إن هذه الرواية فيها كثير من التبسيط، فالتطور التجاري الذي لا يصدق للانترنت، هو نتيجة مباشرة لقرارات الحكومات الأمريكية التي تشجع على المنافسة.
ففي أوائل تسعينات القرن العشرين، حاولت مؤسسة العلوم الوطنية معرفة ما الذي يمكن أن تفعله بشبكة الانترنت الخاصة بها (NSFNET)، والتي كانت تستخدم بشكل رئيس للتواصل بين الباحثين.
ولحسن الحظ، كانت هيئات مكافحة الاحتكار فككت شركة الاتصالات الأمريكية AT&T قبل نحو عشر سنوات، وهكذا لم تكن السيطرة على الانترنت بيد شركة الاتصالات الضخمة بعكس كثير من الدول الأخرى.
حاولت إحدى الشركات التابعة لـ IBM أن تدير غالبية الجزء الأهم من الألياف، والتي تستطيع من خلالها أن تحصل على دخل يعتمد على كمية البيانات التي يضخها المستخدمون من خلال النظام، لكن تلك المحاولة تعرضت أيضا لضربة قوية.
نتيجة لذلك، يقول جرينستين إن عملية التحول إلى القطاع الخاص استمرت في عامي 1994– 1995، ومع أنها كانت مضطربة وغير منظمة، إلا أن النتيجة لم تكن لصالح شركة واحدة فقط.
الإبداع من الحافة
وغياب الخطة الرئيسة لدى الحكومة الأمريكية بحسب جرينستين، أنتج شكل سرعة ونمو واستخدام الانترنت التجاري بعد عام 1995 بطريقة لم تكن متوقعة داخل دوائر الحكومة المسؤولة عن ولادته، لكن سلسلة من القرارات على مدى عقدين من الزمن ضمنت أن القدرة على الوصول إليه ستكون عملية تنافسية، حيث سيكون لدى الشركات المقدمة لخدمة الانترنت والمستخدمين النهائيين الحرية في استخدام الأدوات والبرامج التي يختارونها، دون أن يكون هناك أحد مسؤول عن ذلك، هذه المقاربة سمحت بتشجيع وبروز ما يسميه خبراء الاتصالات «الإبداع من الحافة»، حيث وجدت الشركات طرقا غير متوقعة لتحقيق الأرباح.
استثنائية الانترنت
وربما يكون أحد أهم التطبيقات التي نتجت عن وجود الانترنت هو تعلم كيفية إدارة أي مشروع تجاري بشكل أفضل، والشركات الأولى روجت فكرة أن كل ما كان موجودا قبل الانترنت أصبح الآن طرازا قديما غير عملي، وهو ما يسميه الكاتب «استثنائية الانترنت»، ويبين جرينستين حجم المكاسب الاقتصادية الكبرى التي جاءت من تعلم كيفية تطبيق الاحتمالات التقنية الحديثة على أساليب عمل المشاريع التجارية الموجودة.
«خلال ازدهار الانترنت في أواخر التسعينات من القرن العشرين اعتقد كثير من الشركات أنها تستطيع أن تحقق إنتاجية أفضل فقط من خلال الأدوات والبرامج الالكترونية الجديدة، ولكن الاستثمارات في مجالاته أعطت نتائج سلبية في البداية إلى أن جاء ابتكار جديد يجعل التطبيقات المبدئية مفيدة اقتصاديا، مما وفر الأفضلية للشركات التي كانت تملك الكفاءة والأقسام التكنولوجية التي تستطيع من خلالها عمل اللازم لتطبيق التكنولوجيا الحديثة بطريقة تخدم احتياجات الشركة الخاصة»شين جرينستين

