سعيدة سعيد العمري، فتاة سعودية يتيمة فقدت والدها وهي في سن مبكرة. في قصتها عناوين للكفاح والطموح والأمل الذي لا ينتهي. لو كانت قصتها لفتاة أجنبية لسالت محابر كتابنا لسردها، ولدبجت فيها قوافي المدح، وعبارات الدهشة والعجب، لكن لأنها سعيدة سعيد العمري «المحجبة «! الفتاة اليتيمة، التي عاشت طفولتها المعذبّة في الدمام، وفي إحدى ثانوياتها تخرجت. وجدت أن الحاجة تسوقها لتعمل بائعة»للقرطاسيات» في جامعة الملك فيصل بالدمام ،براتب ألف ريال! نصفه تصرفه لنفسها وتعين به أمها، ونصفه يذهب لجيب سائق الأجرة الذي يقلّها إلى عملها كبائعة لا تاجرة! فُتحت لها ثغرة من الأمل لتنتقل «كحارسة أمن ليلي» في سكن ممرضات بمجمع الأمير سلطان لتأهيل المعوقين في الدمام، ورغم قسوة هذه المهمة عليها، وعلى زوجها «الوفي عبدالله» تلقت خطاب الاستغناء عن خدماتها بعد مضي ثلاثة أشهر، رغم حاجتها للعمل، وحين تساءلت عن السبب لفصلها، وهي المحتاجة للعمل ولديها من الظروف ما يبكي الحجر الصلد، كان الرد أن هناك وظيفة شاغرة هل تريدها؟ قالت سعيدة على الفور ما هي؟قالوا لها «عاملة نظافة»!! لعل من اتخذ قرار فصلها لم يدر بخلده أنها ستوافق على أن «تترقى» من حارسة أمن إلى عاملة نظافة!! فكان جوابها»موافقة» يا الله..عاملة نظافة ولم لا؟ طالما أن «اللقمة حلال..كان هذا لسان حال سعيدة سعيد العمري، التي عضها الفقر بأنيابه ولم يرحم ضعفها، وقست عليها ظروف انفصال والدتها عن زوجها، ومن قبل وفاة والدها، لكنها لم تجد بدّا من أن تركب الصعب، لتكافح لتعيش ولتعين أمها، وكان شعارها «لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى..فما انقادت الآمال إلا لصابر»، فعملت عاملة نظافة، وخادمة في نفس الوقت لـ30 طفلا وحدها دون معين «إلا الله»، فكانت تنظف دورات المياه، وفيها تقضي أغلب وقتها، ولم يكن عملها ينتهي بانتهاء ساعات الدوام، لكن البلسم الذي كان يصبرها على وظيفتها، ويعيد شحن طاقتها «عدا الحاجة « ـ كما تقول ـ كان «ابتسامة الأطفال»، فقد كانت تلك الابتسامات لأطفال تخدمهم سعيدة كفيلة أن تغسل تعبها، وتضمد جراحاتها.. بعد فترة اتصل بها مشرف الأمن لترقيتها كموظفة أمن بنفس القسم!! فرحت سعيدة، لأنها شعرت أنها هذه المرة ترقّت بالفعل في عملها، وفي نفس القسم، بعد ذلك قررت أن تدخل الجامعة، لتدرس في تخصص قريب من عملها في التربية الخاصة، وهي الآن على مشارف التخرج، إلى جانب تعيينها معلمة للأطفال، الذين كانت تخدمهم، فأصبحت الخادمة معلمة!! وما أصدق الشاعر حين قال»ومن رام العلا من غير كد..أضاع العمر في طلب المحال»، فمشوار سعيدة العمري لم يكن بطبيعة الحال مفروشا بالورود، بل كان مليئا بالكد والنكد والأشواك، لكنها بفعل إصرارها وطموحها، ونظرتها للحياة، وتفاؤلها عبرت هذا المشوار، فشقت طريقها نحو هدفها وحلمها.. والله الرحمن الرحيم، لم يكن لينسى عباده، فهي تعيش سعيدة مع زوج كان عونا لها بعد الله في شق درب النجاح، لتصل لمرادها.
حقيقة، بعدما استمعت لقصتها، وجدتها قصة تستحق أن تروى، ففيها (إلهام) لكل من تغشاه اليأس، وتسربله فقد الأمل، أو لمن ارتضى أن يلتحف بثوب الكسل والدعة، أو اكتفى بأن يعيش على جيوب زوجته أو والده أو أسرته.
سعيدة نالت بجدارة جائزة «إصرار» التي تقدمها وزارة العمل. وفازت بمبلغ مئة ألف ريال جائزة الإصرار، لكن سؤالي الكبير: أين الذين ملؤوا الدنيا ضجيجا عن حقوق المرأة.. لِمَ تجاهلوا دعمها، وتحفيزها، وتشجيعها، وتوظيفها، واحتضان طموحها؟ ولِمَ لم تتم دعوتها لكتابة فصول من قصة طموحها، وتبني نشرها كقصة فيها دروس وعبر؟