في بيئة أدبية ذات طابع إسلامي محافظ رأى الشعراء في مشروب الأتاي ما تتسق معه أغراض الشعر وتكتمل، وكأن هبة سماوية أتت بالشاهي الأخضر أو «أتاي»، كما يسمى في الصحراء، وخاصة في موريتانيا والمغرب وشمال مالي «أزواد» ليملأ الفراغ، ويلهب قريحة الشعراء فينثروا العجائب.
فهذا الشاعر عيسى بن محمد يمدحه بقوله:
إن الأتاي لَمذبَّة للعار
عن كل ذي قَدَرٍ من الأخيار.
ولأن البدوي يكرم ضيفه بأنفس ما عنده، جرت عادة الصحراويين باستقبال ضيوفهم بالأتاي، فيقول شاعرنا عيسى:
هو عدة للضيف حقا سِيما
من كان ذا علم وذا مقدارا.
ولا معنى لأيِّ شيء قدمته لضيفك دون الأتاي، بحسب هذا الشاعر:
الضيف دون الأتاي اليوم مُكْرِمه
لم يجد شيئا وإن جلّت فوائده.
أما إن شربه فلا عتب حتى وإن قلت الموائد:
ومن سقى ضيفه الأتاي أكرمه
ولا يعاب وإن قلت موائده.
أما عن أجود أنواعه فيقول عيسى بن محمد:
فعليك بالمفتول لا تركن إلى
ما دونه فحذار منه حذار.
أما الرديء:
لا تغترر بسواه من «لَمْكَرْكَبٍ»
فتعده للشرب أو للعار.
ويرشدنا شاعرنا إلى الطريقة الفضلى في تحضير الأتاي:
والزم من المفتول أجوده وكن
للماء محترسا من الأكدار.
وتجنب النعناع فهو مكدر
طعم الأتاي الأجود المختار.
ويزيد شاعرنا فيتحفنا بالوقت الأنسب لشربه:
والزم إدامة شربه وقت الضحى
وعشية تسلم من الإقتار.
وتفنن شعراء الصحراء في وصف الأتاي وخاصة الرغوة التي تعلوه حين يُصب في الكأس، فوقعوا على العُقْم من التشبيهات، فهذا الشيخ والشاعر عمر عبدالقادر الأنصاري يشبه الرغوة برأس الهمِّ وهو الشيخ الذي ابيضَّ شعر رأسه:
وكأس كرأس الهمِّ لما رشفتها
تغرد في ذهني طيور الأعارض.
وأبدع الشاعر حَتَاحَتَا بن الصادق حين يقول:
وتَبْسم في ذاك الكؤوس كأنها
ثُغور العَذَارى حين تُنْضِي البَراقع.
والأتاي يثير قريحة الشعراء فتدر شعرا بديعا عند أول رشفة، كما عند حتاحتا:
فلما رشفت الكأس منها تَفَتَّقَتْ
يَنَابِع شعرٍ من طويل هَوَامِع.
والأنصاري قادت إليه الكأس شوارد الشعر وأحسنَه فسَحَّ خاطره بالبدائع:
وكأس كرأس الهم لما رشفتها
تغرد في ذهني طيور الأعارض.
فقادت عُقَارى كل بحر لخاطري
فسَحَّ بأنواع البدائع عارضي.
وهذا شاعر آخر يهيج الأتاي عشقه لكن لا بأس فهو يجبر خاطره:
شربنا كؤوسا يعلم الله أنها
تُهِيج للعشاق ما في الضمائر.
مُنَعْنَعةٌ حمراء كالخمر طعمها
ولا عيب فيها غير جبر الخواطر.
ولكن وككل جديد، نال الأتاي حظه من جدل الحلال والحرام، فهذا الفقيه والشاعر محمد أفالت يحرمه ويعده بدعة:
أتاي شاربه يلهو كسكرانا
ولا يزال من الضلال حيرانا
أتاي لم يك من فعل سيدنا
وتالييه ولا من فعل عثمانا
أتاي بدعة أقوام سَيُورِثَهم
من بعد مشربهم فقرا وخُذلانا.
ولا يسلم له الشاعر عيسى بن محمد، بل يعد الأتاي من نعم الرحمن على عباده:
أتاي من نعم الرحمن مولانا
لا ينبغي كفرها سرا وإعلانا
أما الشاعر سليمان الحوات فيتجاوز مسألة كونه حلالا إلى النصيحة بالهُيام به والمداومة عليه:
وهيموا بشربكم أتاي فإنه
حلال وليس في الحلال ملام
وكونوا عليه مدمنين فإنه
شفاء النفوس إن عراها سقام
ويَحسم الشيخ محمد المختار الأنصاري الجدل بهذا البيت:
من لم يقل بسوى جواز مَشْرَبِه
عيناه ما نظرت في متن قِرْطَاسِ
حين يلهب "الأتاي" قريحة الشعراء
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
