لست في صدد تقديم نصيحة لـ «عارضة الأزياء السعودية» فهذا شأنها وشأن أسرتها، وهذه حريتها التي أرادت أن تظهر بها، وهذا اختيارها في الظهور الذي شاهدناه في قناة «روتانا خليجية» وما عرضه البرنامج من صور لها، وما دامت أسرتها ارتضت لها ذلك فهذا شأنهم ولن يستخدم أحدنا العصا ليثنيها عما اختارت، أو يثني أسرتها، «فالنار ما تحرق إلا رجل واطيها» كما يقال، ولن أوجه لها النصيحة لأن النصيحة في زمننا هذا أصبح لها تفسيرات عند بعضهم من فرقة «إياهم»، أصبحت النصيحة وعظا منبوذا، «وكفى بالمرء ناصحا لنفسه وواعظا»، ولن يدخل أحد مع أحد قبره، وإن كان لصالح عبدالقدوس الشاعر بيت يعجبني كلما جاء ذكر النصيحة، وعلمت بأن هناك من يقبل بها ومن يعارضها فقد قال:«ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي والنصح أغلى ما يباع ويوهب».
لكني سأتوجه بكتابتي عن قضية «عارضة أزياء سعودية» إلى جهة أخرى، وأقول بأن مقدمي البرنامج «حديث شباب» سمحا لها بأن تتحدث نيابة عن فتيات السعودية حين قالت «هناك سعوديات كثيرات عارضات أزياء، لكنهن يخشين من المجتمع!» ولم يعترضا أو يفندا، ثم أظهراها وكأن لدينا في السعودية «حرفة» اسمها «عارضة أزياء»، وكانا يناقشانها بجدية على أن تلك المهنة التي ألحق بها لقب سعودية! موجودة لدينا مع أنه لا يوجد في قاموس السعوديين ولا السعوديات حرفة بهذا الاسم «وعسى» ألا يخرج علينا أحد من فرقة «إياهم» ليقول كان في السابق «جداتنا وأمهاتنا» يعرضن الأزياء! لأن «فرقة إياهم» لم يقصروا، فقد ساووا «بين ركوب المرأة الجمل في الزمن الماضي وقيادة السيارة اليوم» في مقارنة مخجلة لإقناع المجتمع بقيادة المرأة للسيارة! أقول عسى، لأنهم استمروا يقارنون ظلما وبهتانا بين جدات الأمس وأمهاتنا، وهن يقدن الجمال! وبين أجيال اليوم من اللاتي يدفعن «بالتظاهرات التاريخية» لتهييج النساء على «قيادة السيارات» ضاربات عرض «الحائط» بفوارق الحياة وتحولاتها بين «الأمس واليوم»، أمس الذي قال أحدهم عنه: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها وجيل ما إن يرى أحدهم عباءة سوداء أو العباءات الملونة التي خرجت علينا حتى يرسل عبارات التحرش والغزل والترقيم! جيل يصدح بقول أحدهم ممن تحولت أغنياته أيقونة للشباب:أنادي يا حصة منيرة جواهر يا مها على بالي تضرب ويطلع معاي اسمها أدور الشوارع أطالع وضايقت البشر يخانقني هذا وهذا وموجايب خبرليس عنده «مشغلة»، لهذا فنحن بين جيلين، جيل عنترة، جيل يغض طرفه إن بدت له جارته، جيل القيم والمكارم والأخلاقيات، وجيل يفتح عينيه على الآخر، ويدور في الشوارع كما يقول صاحبنا ينادي على البنات! ثم يأتي أعضاء «فرقة إياهم» ليتحدثوا عن تقدم وتنوير ورجعية وتخلف حتى كرهوا الجيل في ماضيهم، وكأن كل ماض تخلف، حتى فقد الجيل هويته وبات يبحث عن هوية غربية المعالم والثقافة والعيش واللباس.
بربكم! هل التنوير والتقدم والتمدن والتحضر هو أن تتنازل المرأة عن حجابها وحشمتها وقيمها الدينية والمجتمعية وتنسى أنها من أطهر بلد؟ سؤال جريء يجب طرحه كي لا نخادع أو نُخدع.
هل لدينا مهنة عارضة أزياء؟!
محمد إبراهيم فايع3 دقائق للقراءة

حجم الخط
