يتعجب المرء من بعض التصريحات، التي تصدر من أناس ربما لم يتأملوا فيما يقولون ويرمون الحديث على عواهنه، وبذلك يكشفون عن جوانب قصور في فهمهم لبعض ما يدور في المجتمع.
وفي الآونة الأخيرة صرح أحدهم أن هناك حوالي 150 ألف مواطن ممنوعون من السفر بسبب مطالبتهم بسداد أكثر من 50 ألف ريال ناجمة عن مخالفات مرورية بعضها غير صحيح، مطالباً بضرورة المراجعة الدورية لأجهزة “ساهر” تفادياً للأخطاء ومراعاة للمواطنين.
وهنا يكمن العجب في نقطتين، أولاهما أن المخالفة التي تمنع السفر لا يجب أن تصل إلى خمسين ألف ريال، فلو كانت مخالفة واحدة فإن ذلك كفيل بالمنع من السفر، أما الثاني فإن من المجمع عليه أن الكاميرات في الغالب لا تخطئ، ويستحيل معها أن تسجل مخالفة على مركبة في مدينة أو محافظة أو مركز آخر فضلا عن أن تسجل ضد شخص كما ورد في التصريح المشار إليه.
وها هي ساهر قد أوكل أمرها إلى الإدارة العامة للمرور بوزارة الداخلية ونقل كافة أجهزتها وموظفيها، وسوف تنتفي بعض الحجج من وضع الكاميرات والمركبات بشكل غير مرئي، فقد صرح القائمون على المرور أنها ستكون موضوعة بشكل علني وواضح.
ويبقى موضوع مضاعفة المخالفة، فهو غير جائز شرعا (بحسب المفتي العام للملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء) وغير مقبول منطقيا؛ فالمرء ربما أخطأ وارتكب مخالفة، فلماذا تتم عملية مضاعفتها؟نعم ربما يحدث خلل أو هفوة، لكن الإجماع قائم على جدوى ساهر في الحد من قطع الإشارات وبنسبة كبيرة تصل إلى تسعة وتسعين بالمئة، وفي الحد من السرعة الجنونية التي كنا نشاهدها في بعض الشوارع والطرقات في داخل المدن وخارجها.
وتبقى بعض الإصلاحات لهذا النظام كفيلة بأن ينال قبول الجميع، فمثلا إعادة النظر في المنع التام من السفر بحيث يسمح للمسافر الذي يقصد العلاج ، وبخاصة في حال وجود ما يثبت من تقرير طبي أو حجز في أحد المستشفيات، فالتأجيل يفترض أن يكون متاحا في حال تعذر العفو، أو إيجاد كفيل أو ضمانات أخرى بحيث يسافر المواطن الذي يقصد العلاج ولا تحول مخالفات ساهر دون سفره.
كم يتألم المرء عندما يسمع أن دولة مجاورة تحسم نصف قيمة المخالفة إذا مضى عليها ستة أشهر دون ارتكاب مخالفة أخرى، بل ربما وصل الأمر إلى إلغاء المخالفة بشكل كامل إذا مر عام كامل على مرتكب المخالفة دون أن يرتكب غيرها.
ولعمري أن هذا هو السبيل الأمثل إذا رمنا انضباط قائدي المركبات، فالتحفيز عنصر هام، ولا أتصور مطلقا أن عملية القوة والإجبار ستؤدي إلى نتائج إيجابية، فمضاعفة المخالفة ومصادرة المركبة والرخصة كلها أساليب يفترض إعادة النظر فيها، بحيث ننتهج أسلوب التحفيز المذكور آنفا.
وقد حان الوقت لإعادة النظر فيمن ارتكبوا عددا هائلا من المخالفات ووصلت المبالغ المالية المترتبة عليهم إلى عشرات الآلاف، إما بتحفيزهم للدفع بخصم جزء كبير منها، أو الاتفاق مع البنوك باقتطاع جزء يسير من الراتب للسداد أو غير ذلك؛ فالبعض لن يستطيع السداد، وسيضطر للتحايل على النظام عندما يريد شراء أو بيع مركبة، وهكذا في تجديد رخصة السير أو القيادة وغير ذلك من الإجراءات.
إن ساهر نظام قد أتى وأدى رسالة ربما اتفق معها البعض، وربما رفض بعض أجزائها كالترصد وإخفاء الكاميرات وغيرها، لكنه في نهاية المطاف استطاع إجبار الكثير من قائدي المركبات على الانضباط وبشكل قسري.
واليوم نؤمل بعد انتقاله إلى الإدارة العامة للمرور أن يتم تلافي الأخطاء السابقة، والسير باتجاه أساليب تحفيزية مشجعة على الانضباط، فالمرجو أن ينضبط قائد المركبة عن قناعة تامة وليس خوفا من المخالفة، ومن المشاهد أن من يسلكون بعض الطرقات يدركون جيدا مواقع الكاميرات، وبعد الابتعاد عنها يعودون لسابق عهدهم من السرعة، وذات الكلام ينطبق على ربط حزام الأمان واستخدام الهاتف الجوال وغيرها، ولذا يرجى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه الجميع وقد التزم بالأنظمة المرورية واتبعها عن رضا وقناعة تامة، لأنه أدرك أن كل ذلك يعود على سلامته المرورية وسلامة الآخرين، فهل يتحقق الرجاء؟
ساهرهم.. لماذا يمنع سفرهم؟!
عبدالغني القش3 دقائق للقراءة

حجم الخط
