في الطابور الطويل نسبيا على الصباح وفي مكان مثل هذا، ثلاث فتيات يلبسن الروب الأبيض يقفن خلفي مباشرة، يبدو أنهن قادمات للتو من بيوتهن، كانت إحداهن تتندر على إحدى اللهجات المحلية وهي تحكي عن زميلة لها على ما يبدو، ربما أثارت غيظهن لسبب ما، أي إن الموضوع يبدو موقفا شخصيا.
أمامي رجل وفتاة مقابل الكاشير الذي أعاد عليهما الطلبات للتأكد من صحتها (اثنان قهوة، وإفطار لشخصين)، لم يجد الرجل مبلغا كافيا وأخرجت الفتاة مبالغ من عدة جيوب وحقيبة، وأعاد لهما النادل الباقي، رن جهاز النداء الخاص بأحدهما، وأخرج كل واحد منهما جهازه، كان الرنين صادرا من جهاز الرجل، تحدثا مع بعضهما حول الاتصال، ثم انشغلا بالطلب وغادرا.
انشغلت بحديث الفتيات الثلاث، ثم وصلني الدور وانشغلت بالشاي.
أخذته وأضفت إليه السكر وخرجت من المقهى. الباب الجانبي يفتح على ممر خارجي؛ والممر يأخذك إلى فناء يفضي إلى شارع فرعي داخلي مغلق.
الهواء يشبه هواء المدن العظيمة الذي نفتقده ونفتقدها، ثلاثة كراسي متشابكة، لا يوجد أحد يريد هذا الهواء، ومعظم الناس منشغلون بأعمالهم ومراجعاتهم وعياداتهم.
هواء بارد في ممر معزول، لشخص يفكر بالحشود والطوابير والناس الذين تركهم خلف الباب.
قبل ثورة مواقع التواصل الاجتماعي أو في بدايتها وقبل أن تصبح ظاهرة كانت قضية الاختلاط في المستشفيات في أوجها، موجة هائلة يطلقها رعاتها في كل مرة تهدأ القضايا الاجتماعية.
تفبرك القصص «مثل قصص الابتعاث في الوقت الراهن وما يحدث من انفلات أخلاقي فيها». قصص نصفها «يضبط» ويمكن للعامة تصديقه، ونصفها للعظة والعبرة، ومعظمها يختتم بخطر الابتعاث!
لوهلة بدا لي أن الأطباء والطبيبات يختارون تخصص الطب ليس لوجاهته، بل لأنه هروب من حياة الخارج المحاصرة بضجيج الرعاة إلى حياة الداخل التي يمنحهم إياها الجو الاجتماعي الطبيعي.
المناخ الصحي حيث البشر سواء في طبيعة حياتهم وعملهم، يقفون في الطوابير معا، يدخلون غُرف العمليات معا، يتعاونون على إنقاذ حياة الخارج مهنيا على الأقل، بينما يعيشون بعيدا عن الرعاة نتيجة الحماية الطبيعية التي تعطيها لهم المهنة وضروراتها الخاصة.
كانوا على درجة من الذكاء مكنتهم مبكرا أن يختاروا هذا النمط الحر، وعيهم بأن حياة الخارج محاصرة، كانوا يعرفون بأنهم سيقضون ساعات طويلة داخل هذه الحياة رغم مشقتها مهنيا، ومشاهدها المؤلم منها والطبيعي والفوضوي نتيجة القادمين من حياة الخارج.
هناك ترى بشرا أسوياء، وحياة سوية. حرصوا على ترتيبها قدر استطاعتهم، قاوموا القصص المفبركة، تجاهلوها أو تركوها لمن يستطيع إدارتها.
في كل مرة نذهب هناك ننشغل بمحاولة فهمهم، لكننا لا نستطيع ذلك، هم يهربون منا قدر استطاعتهم أيضا، يتعاملون معنا فيما يخص حياة الداخل كدخلاء عليهم، يمكن أن نقرأ ذلك بسرعة حركتهم في الممرات، تغيير لغتهم حين يتحدثون مع بعضهم، عدم التفاتهم إلينا حين يمرون، ترتيب أجهزتهم التي يحملونها يوميا للضرورات (سماعات قياس النبض، جهاز النداء، بطاقة العمل... إلخ).
هناك شيء في الأطباء يقول لنا «لا نريدكم سوى مرضى ونتمنى ألا يحدث ذلك المكروه»!
ستعود يوما ما «القصص المنظَمة» للنيل من الحياة هناك، وينشغلون بوعيهم عنها. هؤلاء اختاروا الانتصار دائما كخيار شخصي، لأنهم يريدون إعادتنا للحياة التي لم نخترها حين كنا بأعمارهم لنهرب من الخارج المليء بالمعارك التي نُهزم أمامها، لأننا لم نجد بعد مهنة تحمينا كبشر لنعيش أحرارا كما ولدتنا أمهاتنا، ونترك إدارة المعارك لمن يستطيع النجاة منها.