لا أتوقع وجود أمة تردّد هذه الجملة “الفرق غياب القانون” كما نفعل، وأرجو أن تأتي اللحظة القادمة باستحضار جملة أخرى مثل: “القانون يصنع الفرق” لتكون مؤشرًا على حضور القانون وتفاعلنا معه لا غيابه وإهمالنا له
تعتمد الجملة الأولى من السابقتين على غياب القانون، بينما تستحضر الأخرى القانون لصناعة الفرق، لكننا نلحظ أن الأولى تتردد بكثرة في معظم برامجنا الحواريّة ويكثر ما يُقال فيها عن القانون، ومثل ذلك نهمس ونصرخ في أحاديثنا اليومية، كما نجدها جملة مستهلكة في صراخ أحد أولئك الذين يسيرون في الشوارع بسرعة هائلة لينتقدوا قائد سيارة متأن متمهل، أو عابر طريق كسول، كل هذه الممارسات تُبنى على الجملة الأولى، إذ إن قائلها متذمر متسرع يضيق صدره من غياب القانون مهما كان تصوره، أما الثانية فلا نتبناها ولا نستحضرها، لكونها تنبع من إحساس مطمئن ناتج عن استشعار بلذة استحضار القانون
إن الإحساس الشديد بغياب القانون قد جعل أولئك المتحدثين من النخب أو العامة يرددون “الفرق غياب القانون”، متفقين على أن القانون غائب وربما كان مغيبًا، وأن هذه المنطقة أو تلك تحتاج إلى سنّ الشرائع والقوانين، يحدث هذا عند الخوض في تحليل أمر ما، أو دراسة ظاهرة في المجتمع، يحدث هذا عندما يقع الإنسان في موقف يدرك فيه مدى حاجته إلى وجود التشريعات، ويحدث هذا كذلك عندما نصل كأفراد أو جماعات إلى مناطق رماديّة، لا يكاد ينال فيها أحد حقه، ولا يعرف فيها أحدهم حدوده، ولا يمكن التمييز فيها بين الخير والشر، وتنشأ هذه المناطق الرماديّة عادة على أطلال قوانين يمكن وصفها بأنها مهملة أو قديمة أو غير فاعلة، ويكون الإهمال أو القدم أو عدم الفعاليّة مداخل لصنع تلك البيئات الخطرة، ولذلك كان غياب التشريعات عن تلك البيئات مجالًا لتسود الأعراف أولًا، ومن ثمّ تنشأ فيها عندئذ لغة مختلفة غير لغتنا، وتظهر فيها قوانين تختلف عن شرائعنا، وتنمو فيها أفكار لا تتصل بفكرنا، ولو وجدت التشريعات المتوخاة لما احتجنا إلى الخوض في تلك القضايا، ولعرف أحدهم بإحاطة القانون به ليحميه ويحمي غيره
في مثل هذه المناطق التي تحتاج إلى قانون وتشريع، يتجلى الأمر الملكي الذي يجرم الانتماء إلى الأحزاب، ويعدّ من يشارك في الأعمال القتالية خارج البلاد معرضًا للعقوبة، ويدين أولئك الذين ينتمون إلى جماعات دينيّة أو فكريّة متطرفة أو إرهابيّة، إلى جانب ما يتضمنه هذا الأمر من تفصيلات وضوابط
وأهمية هذا الأمر في كونه إضاءة لهذه المنطقة الرماديّة، وأخذًا بأسباب العقل والدين لدفع الشرور، وكشفًا عن تلك الأخطار التي أحدقت ببعض شبابنا، إذ يُستغل هؤلاء بأوهام جهاديّة وأمميّة لا حدود لها، وما تبع ذلك من أمور حين حدثت لم يسلم من تبعات مآسيها الوطن وأهله، وامتدت مشكلاتها إلى بلدان مجاورة وأخرى بعيدة
وأخيرًا إن ما أريد الوصول إليه هنا هو القول: كلنا آمال في أن يعيد هذا التقنين الأمور إلى نصابها، وأن يصنع فرقًا في تحديد الأولويات لشبابنا، وأن يسعى إلى رسم وتشكيل اتجاهات إيجابية لأولئك الشباب تجاه وطنهم أولًا وثانيًا وثالثًا، وأن يمنع من وقوع تلك المآسي التي عايشناها قبل سنوات
إن فعالية هذا الأمر تتمثل في إطلاقه الضوء على تلك المناطق الرماديّة بوضوح كاشف، يضع أي محاولات لتفسيره بما يلائم هذه التيارات أو تلك أمرًا مستحيلًا، ولذلك فإن القول: “الفرق غياب القانون” سيتلاشى من ذاكرتنا وسيصبح القول “القانون يصنع الفرق” حاضرًا على ألسنتنا وفي أفئدتنا
الفرق غياب القانون والقانون يصنع الفرق
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
