توقفت دقات قلبه.. لكن ساعات امبراطوريته ما زالت تنبض بانتظام شاهدة على عصامية رجل صنع من مفردة «الغزالي» عنوانها، مذكرة بتاريخ امتد أربعة عقود تحولت خلالها إلى أسطول من المراكز التجارية الفخمة المنتشرة في أرجاء المملكة بعد أن كانت قابعة في فاترينة محل متواضع على جنبات أحد شوارع الرياض
أول صفقة تجارية في حياة رجل الأعمال محمد العلي العبداللطيف عبارة عن حقيبة بها أغراض شخص متوفى اشتراها بـ47 ريالا وباعها بمبلغ 100 ريال.. لتكون بذرة أول محل له في شارع الثميري بالرياض يعرض فيه بعض الساعات الشهيرة آن ذاك مثل «جوفيال» و»زودياك» التي كانت أغلبها تأتي من لبنان والكويت
استمر في تطوير تجارته إلى أن حصل على أول وكالة لساعات «رادو» الماركة «المدللة» لـ»أبو علي» فأعطاها من حياته كثيرا حتى اقترنت باسمه.. ليستمر وكيلها لمدة تزيد عن 40 عاما، وتتحول إلى مفتاح الدخول لعدد من الماركات العالمية الأخرى
لم تكن من الماركات المعروفة وقتها.. كان معظم الناس يلتبس عليه اسمها مع اسم المذياع او الراديو.. إلا أنه نجح في جعلها امبراطورية تعج بضجيج الفخامة وتصبح قبلة الراغبين بالتميز والأناقة
يعد من الأشخاص الذين سعوا وضحوا بكل ما يملكون لرفع اسم المملكة العربية السعودية في المحافل الدولية خلال زياراته لاستقطاب عدد من الشركات
له فلسفة خاصة بالحب إذ يقول «لا تطلب من أحد أن يحبك بل اجعله يحبك»، كما كان له مقياسه الخاص للرجال معتبرا الوفاء السمة البارزة للفضلاء منهم.. ينظر إلى الحياة بشكل مختلف متسائلا «ما أكثر جهل الأحياء بالحياة رغم قصرها؟»
الحزن العميق لوفاة العبداللطيف، طغى على قلوب من عرفه ومن لم يعرفه حيث تجاوزت شهرته وإنجازاته وعطاءاته الحدود.. بدأها من مدينته الزلفي التي ولد فيها في 1355.. له بصمات وخدمات لن ينساها أهل تلك المدينة حتى انتقاله لمدينة الرياض الذي أسس بها امبراطورتيه «الغزالي» لتصبح بعد ذلك الاسم الأقوى والأهم في عالم الساعات تحتضن في أروقتها أشهر الماركات العالمية
كان يردد على مسامع جلاسه «علمتني الحياة والتجارب التي خضتها أن القناعة التامة لا تأتي إلا بالشكر لله أولا وأخيرا وبالإيمان المطلق بأن ما في يد غيرك ليس لك وما هو لك ليس لغيرك».. حفظوا عنه كثيرا من الأقوال التي منها «تذكر دائما وأبدا الفقراء والمحتاجين والمعوزين لأنك ربما كنت يوما ما منهم»
القواعد والمبادئ التي أسس عليها شركة أضحت مثالا يحتذى به وأساسا للصدق والأمانة والثقة العميقة المتبادلة مع العملاء إضافة إلى الإخلاص والتفاني في العمل وبروح الفريق الواحد.. عدد ممن تعاملوا معه كانوا يعدون كلمته عقدا وإمضاء بحد ذاتها
رؤيته كانت واسعة الطيف في مواجهة المنافسة وأخطار السوق إذ درب موظفيه بما يتماشى مع متطلبات العصر من فن البيع وإقناع العملاء واستخدام أحدث أساليب التوزيع.. وجد أن منافذ البيع المختلفة هي العمود الفقري للشركة فجاءت تلك المعارض بشكل موحد وبتصاميم مميزة تعكس أسلوب وطبيعة الغزالي الذي كان لها الوقع المريح على العملاء
يحث من عملوا معه بـ»اعملوا بصدق وإخلاص وتفان وابذلوا الجهد كل حسب استطاعته وإمكاناته».. في ذات الوقت يرى أن عرق العامل الذي يشقى أزكى وأطيب من مسك القاعد الخامل.. كان كثيرا ما يردد «لا تدع حاجتك عند غيرك وخل حاجة غيرك عندك»
عمل بمختلف أنواع المهن والأعمال ورضي بذلك، ولا أن يعود لوالدته خالي الوفاض ويخيب ظنها به، يسانده في ذلك روح التحدي والحلم الذي سعى لتحقيقه.. اشتغل في نقل التمور ما بين مدينتي الرياض والأحساء، وذهب إلى الكويت لجمع الرماد الذي كان يستخدم على أسطح المنازل لمنع تسرب مياه الأمطار

