بالأمس قررت أن أنفض عني صفة الكسل التي ينعتني بها أحبتي - وهي صفة مستحقة إلى حد بعيد - وبادرت بترتيب مكتبتي، إذ مرت أشهر وأنا أتعثر في «كراتين» وضعت فيها بعض الكتب، نسيت لماذا اخترت هذه الكتب بالذات وعزلتها عن الرفوف، ربما كانت كتبا غير مهمة وأود التخلص منها، وربما كتب تصلح للقراءة السريعة وأود أن أضعها في غرفة الجلوس. تجاهلت البحث عن السبب الخفي الذي جعلني (أُكرتنها هكذا!) وفتحت الكرتون الأول. رائحة الكتب بعد أن خالطها (ندى) المطر ذكرتني برائحة الكتب المدرسية في أول سنة دراسية - جربت هذا العام شم رائحة الكتب المدرسية لأطفالي ولم أجد تلك الرائحة المختبئة بالذاكرة، لا أدري هل تغيرت رائحة الورق أم تغيرت حاسة الشم لدي - أول ما وقع بيدي كان كتابي الأول الذي صدر عام 2008، سأكذب إن قلت ساورني شعور الأبوة تجاهه، رغم أنني شعرت أنه مغتبط بلحظة الانعتاق ورؤية الضوء بعد سجن لا ذنب له به، ولهذا رأيت أن من الأدب أن أهدهد على كتفه قليلا، وبدأت بتقليب صفحاته كنوع من مجاملته لا أكثر، لكن.. يا لهول ما وجدت، ففي الصفحة التاسعة كتبت (لم يكن القمر سوى صراع متعمّد بين ضوءين)، استعذت من همزات الشيطان الرجيم، وأكملت القراءة، وبعدها بتسع صفحات وجدتني كتبت (يقضم جزءا من قرص الشمس.. هذا كل ما يفعله كل مساء)، وهذه - ربما - كنت أصف لحظة الكسوف، والكسوف يحدث بأمر الله، ومحاولة نسبه للبشر هو رد لما جاء به الدين، وبنفس النص (تتدثر الشمس بمعطفها الرث وتنطفئ)، تجاوزت الكثير من الصفحات حتى استوقفني بالصدفة هذا الشطر (ولسان البحر يلثم حافّة الأرض التي تبدو بحالة نشوة قصوى)، فهنا تبدو الدعوة للانحلال واضحة وصريحة، وضد الفطرة السوية، وهنالك جملة في آخر الصفحة (موغل في التيه هذا الكائن الأسطوري)، وهذه الجملة - بالذات - لم أفهمها جيدا، لكنني متأكد أنها تخفي مخالفة ما!
أغلقت الكتاب على صوت والدي الذي يستعجلني للحاق بصلاة المغرب، يالله! ما هذه الهواجس، فوالدي اسمه ( فيّاض) أيضا - لعنتُ الساعة التي قررت فيها التخلص من الكسل - والاعتراف سيّد الأدلة! ها أنا أعترف بارتكاب مخالفة أخرى تستوجب الحد!
سأتجه للمسجد لأداء الصلاة الآن، وأنا مُتدين بالفطرة والحمد لله، هكذا أقول، لكن قولي ليس بالضرورة أن يكون هو الفيصل، أنا ابن (فيّاض) فعلا، تحسست أطرافي الباردة، لا ينقصني أن أكون (أشرف) سوى أن (يحتسب) أحدهم!