السيناريو الأول: رزان (أنا عندي مشكلة مرة كبيرة وما في أحد غيرك استشيرو)، ردت ليلى وهي تشعر بكل خلاياها البطولية تستنفر استعدادا للمعركة (ولا يهمك يا رب خير)، سردت رزان مشكلتها بكل تفاصيلها وليلى تقاطعها كل حين وفين لتعلق باستنكار تارة (يا الله ليه سويتي كده)، وبدعم واستحسان تارة أخرى (أحسن يستاهلو ناس ما تمشي غير بالشدة) وعقلها في نفس الوقت يربط ما تسمعه بموقف مشابه حصل معها في الماضي. لذا حين سألتها رزان في النهاية (في رأيك إيش لازم أسوي؟) اندفعت ليلى قائلة بحماسة (الحل عندي، أنا أقلك إيش تسوي).
السيناريو الثاني: رزان (أنا عندي مشكلة مرة كبيرة وما في أحد غيرك استشيرو)، ردت ليلى بهدوء وهي تترك كل شيء بيدها لتنصت بكل تركيز مع رزان (ولا يهمك يا رب خير)، سردت رزان مشكلتها بكل تفاصيلها وليلى تستمع بكل صبر بدون أن تقاطعها إلا ببعض الأصوات التي تدل على الإنصات، وبعض العبارات التحفيزية مثل (طيب وبعدين)، أو التأكيد من خلال إعادة نفس الجملة أو العبارة. وحين كانت رزان تسألها عن رأيها كانت بدلا من إجابتها تقوم بتوجيه الأسئلة لها (إنتي إيش رأيك؟) (في اعتقادك لو عملت كده هل حيتحسن الوضع؟) (طيب إيش في خيار تاني؟) وغيرها من الأسئلة المحفزة للتفكير. لتجد رزان فجأة نفسها تقول الحل لمشكلتها بنفسها (تصدقي أنا ما كنت متخيلة أن الحل موجود عندي وكل اللي كنت أحتاجه أحد يسمعني، مرة شكرا) ابتسمت ليلى في سعادة لأنها استطاعت مساعدة صديقتها (ولا يهمك عفوا).
إن الفرق بين السيناريو الأول والثاني، هو الفرق ما بين نحن كمجتمع يعشق الوصاية ويعزز الاتكالية في الرأي والمسؤولية على الآخرين خاصة الأكبر سنا (اللي ما يسمع كلام الكبير يطيح في البير). وما بين إيماننا بعدل الله في أن يخلق كل إنسان بقدرته الذاتية على تقدير ما يناسبه وتدبير أموره بما يتماشى مع ظروفه، فإن كان للطريقة الأولى اسم فهو (الاتكالية) وهو طبع يساعدنا على التنصل من مسؤولية اتخاذ قراراتنا، ومن ثم إسقاط عدم تحسن أوضاعنا على الآخرين. وإن كان للثاني اسم فهو (التمكين) وهو علم حديث اسمه (الكوتشنج) ويعتمد اعتمادا تاما على تمكين الأشخاص من خلال تحفيزهم واستنفار تفكيرهم ليقوموا بإيجاد الحلول لأنفسهم ومشاكلهم. وهو عبارة عن خليط من مهارات الإنصات، بالإضافة إلى مهارات الدعم وطرح الأسئلة المناسبة.
إن هذه المهارة مطلب مهم لكل مسؤول، قائد، مدير، معلم، أب أو أم ليساعدهم في تمكين من هم مسؤولين عنهم. كما أنها مطلب مهم لكل من أراد أن يكون صديقا، حبيبا، وإنسانا أفضل. ففي عالمنا المزدحم بالمؤثرات، والعلاقات الهلامية، فإن جل ما نحتاجه حقا هو الشعور بالاهتمام، والكثير الكثير من الإنصات.

[email protected]