علماء وقانونيون: المبالغة في الديات بعد عن تعاليم الدين

 علي شراية - جدة
أكد عدد من رجال العلم والقانونيين أن المبالغة في الديات للتنازل عن القصاص وقيمة الصلح في قضايا القتل ظاهرة دخيلة لا تمت بأي صلة للإسلام والمجتمع السعودي المتمسك بتعاليم الدين الحنيف التي تحض على اليسر والسماحة، منوهين بضرورة تكثيف الوعي الديني بين الناس والتحذير من تلك الظاهرة وحث المجتمع على أهمية إحياء فضيلة العفو ابتغاء الأجر والمثوبة.
حفظ المصالح
وأوضح الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية برابطة العالم الإسلامي الدكتور عبدالله المصلح، أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ مصالح العباد في الحال والمآل وبنت أحكامها على العلل الجالبة للمصالح، ومن أسمى أهدافها وأنبل غاياتها جلب المصالح ودرء المفاسد في كل الأمور واتفقت العقول على صيانتها ورعاية مصالحها ومن أهمها حفظ النفس البشرية وحمايتها والتأكيد على كرامتها وحقوقها في مختلف مناحي الحياة وشؤونها.
وأشار إلى أن السعودية ارتكزت في كل تشريعاتها وأنظمتها على الشريعة الإسلامية السامية وعملت بمختلف مؤسساتها القضائية وأجهزتها التنفيذية على إقامة شرع الله وتحكيم أوامره، لافتا إلى أنه مع انتشار ظاهرة المطالبة بمبالغ باهظة لقاء التنازل عن القصاص، مع العلم أن لعتق الرقبة لوجه الله تعالى فضل كبير لما له من زرع الألفة وإيجاد التراحم بين صفوف المجتمع.
ودعا رجال العلم أن يوضحوا هذه القضية وسلبياتها وآثارها والتحفيز على ترك المبالغة في احتساب الديات نظير التنازل عن دم المقتول والأموال الطائلة التي يتكبدها الجاني وبذلك تسود المحبة والوئام وتتلاشى رواسب الحقد التي تخلفها الجناية في النفوس وتتطلع أنظار المكلفين إلى جزاء الآخرة وثوابها بدلا من التشفي بالاقتصاص في الدنيا وفي ذلك سمو ورفعة وارتقاء.
مبالغات مزعجة
وقال رئيس المحكمة العامة بجدة عبدالرحمن الحسيني: ما نراه اليوم من تهافت على واسطات الصلح على إسقاط القصاص وما يسمونها ديات وإعتاق رقاب وهي ليست بديات، إذ الديات لها مدلولها الشرعي ومقدارها المحدد وإنما هؤلاء يعزفون على وتر الابتزاز برفع سقف مطالبهم مقابل إسقاط الدم ونسمع مبالغات كبيرة ومزعجة لمجتمعنا.
وأضاف أن الشرع أكد على الحد من هذه المبالغات وجعل ضوابط، وللأسف هناك مبالغ تقدم لهؤلاء المتوسطين وعمولات تدفع مقابل إقناع ذوي الدم أو مقابل رفع سقف المطالبة لهم، كما أن هناك بعضا من طلبة العلم ممن سار في المصالحة المالية بأضعاف أضعاف الدية المقررة شرعا وهذا ما كرس التوسع الحاصل في هذه المسائل وزاد من مبالغها بل في بعض القضايا يطلب ذوو الدم ملايين الريالات من ذوي القاتل ومن ثم تبدأ المساومة وبعدها يبدأ نصب الخيام وتجميع الوجهاء والشعراء والقنوات وهذا شيء محزن، خصوصا من ليس له وجاهة ولا مال.
مخالفة صريحة
وعد المحامي والمستشار القانوني علاء الغامدي، المبالغة في طلب تعويض الديات بمثابة إلغاء لمقاصد هذه العقوبة وتحويلها لتجارة مقيتة تدخل في باب النهي، وما لوحظ في الآونة الأخيرة من فوضى وسوء تعاط في قضايا الديات مؤشر سلبي يخالف مقاصد الشريعة ويجافي مبدأ العفو والتسامح الذي من أجله شرعت الدية، لافتا إلى أن المبالغة في الدية أصبحت ظاهرة منتشرة، فإنه يحق لولي الأمر التدخل في الحد من ظاهرة المغالاة في الديات والتي فيها مشقة على البعض من جمع تلك الأموال استنادا للقاعدة الفقهية «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وللأسف أصبحت المبالغ الطائلة التي تدفع لأولياء الدم تجارة يتكسب منها أطراف عدة من جراء السعي والتوسط والتدخل لقبول الدية.
وقال: المبالغة في التجمعات وإقامة المخيمات لجلب الديات مظهر سلبي بات يشوه صورة مجتمعنا ومن المهم أن يتم نشر ثقافة العفو والتسامح عبر وسائل الإعلام المختلفة بأساليب حديثة تظهر قيم التسامح في ديننا، وشيم الصفح، بعد أن أضحت المبالغة في الديات من الظواهر السلبية التي برزت بصورة لا تتسق مع القيم الإسلامية التي تحض على قيم الصفح والعفو عند المقدرة والتسامح وإصلاح ذات البين بدون عوض لأن العفو من أفضل القربات إلى الله، خصوصا إذا كان الجاني تاب وأصلح الله أمره واستقام.