تعد مدينة النجاشي، أحد أبرز المعالم التاريخية والسياحية في إثيوبيا، لأنها تضم قبر النجاشي نفسه وقبور الصحابة رضوان الله عليهم، بجانب احتضانها أول سفارة للعرب والمسلمين في العالم
ولا تكتمل زيارة زائر إثيوبيا، إلا بزيارة مدينة النجاشي التي وفرت لجوءا سياسيا آمنا لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي طلب منهم أن يذهبوا إلى ملك عادل لا يظلم عنده أحد فذهبوا إلى النجاشي واحتضنهم
وأنصف النجاشي الملك العادل، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم لهم المأوى واحتواهم في دياره، وكانت تلك أول خطوات نشر الدعوة الإسلامية في إثيوبيا والقرن الأفريقي.
تهميش وإهمال
تعاني مدينة النجاشي من تخلف البنية العمرانية وعدم مواكبتها للحداثة والتطور لجملة من الاعتبارات من بينها البعد الجغرافي عن المركز رغم قربها من مغلي عاصمة إقليم التقراي
ويؤكد الناشط الإعلامي محمد عمر لـ”مكة”، عدم نيل مدينة النجاشي نصيبها من التنمية والعمران رغم عراقتها التاريخية ومكانتها الدينية وشهرتها كمدينة أوت صحابة رسول الله، وقبورهم فيها حتى الآن
ويقول المستثمر السوداني خالد كرم لـ”مكة”: هذه المدينة من المدن التي تربط ما بين الحاضر والماضي، وتكمن أهميتها في استضافة صحابة رسول الله، وآثارهم فيها جعلتها مدينة تاريخية وفي تقديري أن هذه المدينة تستحق الزيارة من قبل كل المسلمين
وأضاف: زرت هذه المدينة مرات عدة، وهناك تغيرات تشهدها الآن خاصة الطرق المعبدة والفنادق القريبة.. في الماضي القريب كان يصعب الوصول إليها.
ويقول الكاتب الإثيوبي محمد إبراهيم أحمد لـ”مكة”، إن الناس اعتادوا على إحياء ذكرى عاشورا في مدينة النجاشي سنويا، لما تحمله من رمزية إسلامية وتاريخية
من جهته، يلاحظ الشيخ إبراهيم أحمد أحد علماء المسلمين في أديس أبابا، التطور الحالي في المدينة، ويقول لـ”مكة”: ذهبت إلى مدينة النجاشي القريبة من وغرو مرات عدة، وكانت في الماضي تفتقر إلى التنمية والعمران، لكن الآن الأمر اختلف قليلا.
ويضيف متحدثا عن تاريخها وتأثيرها على سكانها من غير المسلمين: يكتسي مسجد مدينة النجاشي اللون الأخضر وكذلك تكتسي كنيسة المدينة ذات اللون تأثرا به
ويشير إلى أن المسجد شيده رجل الأعمال الشيخ محمد حسين العمودي ويتولى رجال أعمال تكاليف صيانته
وتوجد في المدينة أيضا خلاو “مدارس تحفيظ القرآن”
وتتزامن إقامة الأسواق الشعبية في الولايات الإثيوبية مع الإجازات الأسبوعية السبت والأحد
وتقام في مدينة النجاشي أيضا سوق بجوار المسجد في السبت.
قبائل عربية
أسر وقبائل بأكملها في إقليم تقراي، يعود نسبها إلى صحابة رسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لا توجد أسر تحمل اسم الصحابة مباشرة، إلا أن بعض الأسر إقليم تقراي يرجع نسبهم إلى الصحابة منهم قبيلة تسمى عرقوبا أي “عرب قبا”، ويقال إن نسبها عربي، ولا تزال تحتفظ بعاداتها وتقاليدها العربية إلى اليوم
وتوجد في إثيوبيا قبائل عربية الأصل تسكن في مناطق الشمال خاصة إقليم تقراي، وفي الجنوب بإقليم الأمهرا خاصة في مناطق هرر.
أرض الهجرتين.. والطائرة أفضل
تعد مدينة “وجرو” القريبة من أرض الهجرتين التي لجأ إليها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بطش الكفار في جزيرة العرب، مدينة إسلامية صغيرة في الريف الإثيوبي، ويتعايش سكانها بعضهم مع بعض
وتعد من أكثر المدن عمرانا، وتسكنها أغلبية مسلمة
وتبعد وجرو عن مدينة مجلي حاضرة إقليم تقراي في شمال إثيوبيا، نحو 40 كلم، وعن أديس أبابا 824 كلم
تبعد مدينة النجاشي عن أديس أبابا أكثر من 895 كلم، ومعظم الطرق البرية غير معبدة، لذلك يجد المسافر صعوبة كبيرة في الوصول براً إليها، ويفضل السفر بالطائرة من أديس إلى مدينة مجلي، ثم بالسيارة من مجلي إلى مدينة النجاشي، ولكن ربما تفوتك كثير من المناظر الطبيعة الخلابة التي قد تنسيك رهق الرحلة
وتستغرق الرحلة من أديس أبابا إلى مدينة النجاشي بالسيارة يومين دون توقف أو أكثر، بسبب رداءة شبكة الطرق
ويشق المسافر براً، طرقاً جبلية وعرة بالغة الخطورة، لذلك تمنع السلطات المحلية في إثيوبيا من السفر ليلا إلى مدينة النجاشي
وتتميز مجلي حاضرة الإقليم بوجود مطار دولي
ودخلت التاريخ من أوسع أبوابه باعتبارها إحدى مدن الشمال الإثيوبي التي تحتضن قبور الصحابة رضوان الله عليهم، بينهم عدي بن نضلة إلى جانب أصحمة النجاشي التابعي
أول مصحف مخطوط باليد
عثر في مدينة النجاشي بإثيوبيا على مصحف مخطوط باليد، قيل إنه من أوائل المصاحف التي كتبت
وأودع المصحف في متحف أديس أبابا، ولم يذكر تاريخ العثور عليه أو الموقع الذي عثر فيه عليه
ورجح باحثون أن المصحف أحضره صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إبان هجرتهم لإثيوبيا (الحبشة)
ويضم المتحف الإثيوبي كثيرا من المقتنيات التاريخية التي عثر عليها في مدينة النجاشي من بينها كتب دينية أصبحت الآن باهتة اللون، لأنها كتب قديمة مصنوعة من الجلد
ويبدو أنها من آثار الصحابة رضوان الله عليهم، ولكن بقية مقتنياتهم وإرثهم لا تعرف أين ذهبت، ولا يوجد الآن في مدينة النجاشي سوى القليل منها، خصوصا ألواح حفظ القرآن وبعض الأشياء التي لم يؤكد أنها من ذلك العصر أو العصر الذي أعقبه
التاريخ يحكي سيرة ملك عادل
وثقت كتب التاريخ الإثيوبي بمختلف اللغات المحلية، خصوصاً الأمهرية والتقراية، سيرة الملك النجاشي العادل
وحكت عن فترة حكمه وعدله، وسردت المراحل التاريخية والتطويرية لمدينة النجاشي، بدءاً من نشأتها وبدايتها
وتندر الكتب المخطوطة بالعربية التي توثق لسيرة الملك الصالح النجاشي في المكتبات الإثيوبية
ومعروف أن أصحمة النجاشي تحمل محاربة قومه له بسبب المسلمين ومواقفه المدافعة عن الخير والحق
وسميت مدينة النجاشي باسمه بعدما أسس كيانا كبيرا للمسلمين وسط الممالك المسيحية القديمة
ذكرى النجاشيوخلد عدد من المؤسسات الإثيوبية اسم النجاشي من خلال إطلاق اسمه عليها
ويزور المدينة مواطنو إثيوبيا المسلمون، خاصة في الأعياد والمناسبات الدينية، فيما يهاجر طلاب العلم الشرعي من مختلف المدن الإثيوبية للمدينة لحفظ القرآن، ونهل العلم الشرعي
تعايش بين المسلمين والمسيحيين
تجسد مدينة النجاشي التعايش الديني بين الديانات المختلفة، إذ تتجاور فيها المساجد مع الكنائس، ويشكل سكانها المسلمون والمسيحيون أرقى صور التعايش عبر تواصلهم بعضهم مع بعض في المناسبات الدينية الإسلامية والمسيحية
ويتم الاحتفال بعيد الفطر والأضحى وعاشوراء، فيما تمتلئ مساجد المدينة بالمعتكفين في العشر الأواخر من رمضان
ويتواصل المسلمون والمسيحيون بالمدينة في الأفراح والأحزان، ويوجد بينهم نوع من التعاون والتكاتف في كل شيء
ويقول بعضهم إنه لا يمكن أن يعيش أتباع ديانة بمعزل عن أتباع الديانة الأخرى، لأنهم يعدون المسلمين والمسيحيين جزءا من إرث المدينة
ويقول المواطن الإثيوبي المسيحي افريم امريو لـ”مكة”، إنه يحضر كل الاحتفالات الإسلامية التي تقام في مدينة النجاشي رغم انحداره من مدينة وغرو، ويعد المسلمين جزءا من المنطقة، ولديه أصدقاء كثيرون في مدينة النجاشي
ويقول: عندما أرغب في استخراج أوراق ثبوتية أو أي إجراء في ديوان حكومي، يكون كفيلي دائما من المسلمين لأننا أخوة نعيش على أرض واحدة تجمعنا منذ خلقنا

