تساءلت هل لو كانت زوجتي تعمل في دائرة، كانت ستقيم حفلا خاصا بالرجال المسؤولين عن تلك المنشأة ومن يرعاها ستقوم منظمات الاحتفال بتسليمها بطاقة دعوة تحمل اسمي بالكناية «المكرم زوج فلانة الفلانية» على غرار ما تقوم به بعض الجهات النسائية عندما يكون الحفل نسائيا بحتا ويخص العمل الذي نشرف عليه من وراء حجاب، حيث درجت عادتهن كما هو حال جهات عليا أن يبعثوا ببطاقة دعوة مكتوب بها «المكرمة حرم فلان الفلاني».
أظن بعض الزوجات لو حصل وسلمت بطاقة دعوة لزوجها من مديرتها مكتوب عليها «هرم فلانة بنت فلان» لأقامت الدنيا ولم تقعدها في مجتمعاتنا تحقيقا واعتراضا واحتجاجا على كل من يعمل في دائرتها من النساء محتفظة بكثير من قوتها وما تختزنه من أساليب التحقيق «الفيدرالي» والعبقري عندما تعود للبيت تنتظر «فلانا» ليس للغداء بل لحملة من المساءلات والإجراءات قد تصل لحد تستقيل فيه من عملها أو تطلب النقل منه وتلعن الاحتفالات وأيامها.
لو كنا في مجتمع يسمح بأن يحضر الرجال احتفالات النساء والعكس لكان الأمر مناسبا للمجاملات المعتادة في كل الدول وأحضر أنا وهي سوية من باب المشاركة والاطلاع على عملها والتعرف على زملائها وزميلاتها ومشاركتها فرحتها بتكريم أو تفوق أو حتى احتفال بإنجاز عام، وهي كذلك سيدعونها لأنها زوجتي ستحضر معي حفل استلامي لجائزة الموظف “المعقد” أو التعرف على زملائي الملونين في دائرتي الخالية من جنس النساء تماما لتتأكد بنفسها أنني منذ أن تزوجتها وأنا لا أعرف من جنس الإناث سواها.
لكن والحالة في مجتمعاتنا لها طقوس وفروض اجتماعية وأيديولوجية جعلت عمل المرأة في الدوائر الحكومية بالذات بعيدا عن الرجل أو صنف الذكور ما عدا «حارس» المنشأة الذي لا يعرف منهن سوى أوامر ونداءات عبر مكبر الصوت كما كان يحصل في الأفراح «عائلة فلان بن فلان» وهو أيضا يتسم بصفة التقدم في السن هذه الميزة التي تمنحه فرصة لأن يأمنه المجتمع على بناته ونسائه، فلماذا إذا نزج بامرأة وندعوها لحضور احتفال لا يعنيها في شيء وليست لها صلة لا من قريب ولا من بعيد بمن يعمل من النساء في تلك الدائرة وما حظيت بهذه الدعوة إلا لأن زوجها شخص مسؤول في الجهة العليا أو الدنيا المشرفة على مؤسسة النسوة هؤلاء؟
المشكلة التي ستقع فيها من تلبي الدعوة هي أنها ستأتي وحدها دون زوجها وهم لا يعرفونها شخصيا وستضطر لأن تكون جريئة وتبادرهن بالقول أنا زوجة «المدير العام» أو «حرم نائب المدير» أو «من طرف فلان ابن فلان» ليبدأ ترحيب وبرتوكول من نوع آخر يليق بزوجات المسئولين والموظفين، ومن الممكن أيضا أن تصطحب معها «حماتها» التي لن ترضى بأن يكون لزوجة ابنها حظوة عند جمهور عمله دونها، لتبدأ هي بالكلام أنا «أم فلان المدير حقكم ما عرفتيني» وتسنح الفرصة لكثير من دراما الحموات والكنات بسبب هذه الدعوات.
وفي العادة أن «حرم مدير عام أ و حرم وزير» تقوم بواجبات وظيفية نيابة عنه في المجتمع النسائي كرعاية احتفال تخريج دفعة من طالبات بمؤسسة تعليمية ما تخص تلك الوزارة أو الدائرة أو افتتاح «حديقة نسائية» أو «طبق خيري أو تجاري نسائي» وتجد نفسها متقمصة شخصية الوزراء والمديرين والمسؤولين حتى ولو كانت ذات تعليم أو تأسيس متواضع فالعبرة بما يتلو كلمة «حرم» من لقب أو وظيفة، وهذه العادة في بلادنا تقليد لما تسير عليه الأمور في جهات أعلى ومراتب أعظم قد يكون لها مبرر على نمط ما تحظى به زوجات الرؤساء والسلاطين، لكنها في المستوى العادي والمتوسط أراها نشازا وعملا لا طائل من ورائه سوى ظهور إعلامي لمن لا يعنيه الأمر بل
ولا يستحقه.
ارتباط الزوجات بأزواجهن في الغرب يختلف تماما عما ننتهجه في مجتمعاتنا المسكينة من سلوكيات (تشليحية) من هنا وهناك ومن كل بحر قطرة ومن كل بستان شوكة، فهم يقرنون اسم الزوجة باسم زوجها أو لقبه العائلي إذا كان الزوج رئيسا أو «إمبراطورا» مثل «نانسي ريجان، هيلاري كلينتون» وغيرهما، لكننا في المجتمعات الشرقية وفي الجزيرة العربية بالذات لا يمكن لنسائنا ولا لنا أن نقبل أن تتخلى المرأة عن اسم أبيها وعائلتها لتنسب لزوجها، ومع ذلك نرغب في أن يكون للدور الغربي أثر فينا فأتينا بحل نحسبه وسطا لنقول «حرم سعادة المدير العام».
أغلب من أعرفهم ويتلقون دعوات تخص «حرمهم المصون» من جهات تابعة لعملهم يبتسمون سخرية من هذا التصرف ويعتبرونه نوعا من المجاملة المضحكة المبكية في نفس الوقت ولا يزيد تصفحهم للدعوة عن ثوان لتأخذ طريقها بعد ذلك لسلة المهملات رغم تكلفتها الباهظة وألوانها المفرقعة الصاخبة، فلا أحد منهم جرب يوما أن يعطيها لزوجته ويشجعها على الحضور أو تلبية هذه الدعوة، والداعيات يعرفن كذلك أن الحاضرات من زوجات الموظفين واحدة أو اثنتين تربطهن علاقة بالمديرة أو بموظفة في المؤسسة هي سبب مجيئها وليست تلك الرقعة التي أرسلت لزوجها ونسيها فوق مكتبه.
طالما أننا معترفون بمبادئنا وراضون بما قسم الله لنا من ترتيب لأوضاعنا وأعمالنا بالفصل بين الرجال والنساء عملا ودراسة وترفيها فلماذا نخلط الأوراق عند أول اختبار ونجبر العادات أن تستكين «للإتيكيت» ونطوع التغريب للتعريب دون أن تكون هناك أرضية متينة صلبة تسمح بأن يكون الأمر طبيعيا وعاديا،فإما أن تفتح الأبواب ويتحمل الكل مسئولية نفسه واختلاطه احتراما وتقديرا ودينا بسياسة مضبوطة وتشريعات محكمة، وإما أن يبقى الحال على ما هو عليه منذ زمن أن للنساء ما يخصهن وللرجال ما يخصهم ولا يخصهن.
حرم سعادة المدير العام
محمد أحمد بابا5 دقائق للقراءة

حجم الخط
